عند الرابعة والنصف من عصر يوم أمس، فوجئ روّاد الكورنيش البحري في عين المريسة بأصوات تقترب. ظنّ البعض أن تظاهرة التضامن مع الشعب البحريني انتقلت من الإسكوا. اقترب الصوت أكثر. ظهرت مجموعة شبّان تنزل من صوب الجامعة الأميركيّة إلى عين المريسة. اقترب هؤلاء إلى منزل النائب مروان حمادة، وعلا الصوت أكثر: «حيّدوا نحنا الاشتراكيي حيّدوا، وليد بيك بعد الله منعبدو». إذاً، هم طلاب الحزب التقدمي الاشتراكي يتّجهون إلى فندق الريفييرا حيث دعت منظمة الشباب التقدمي إلى لقاءٍ مع رئيس الحزب النائب وليد جنبلاط. المناسبة هي ذكرى اغتيال مؤسس الحزب كمال جنبلاط.
حمل الطلاب من الجامعتين الأميركيّة واللبنانيّة الأميركيّة صور كمال جنبلاط وأعلام حزبهم، واستمروا في ترداد شعاراتهم. بين الشعار والآخر يهتفون بقوة لـ«أبو تيمور». نال الرئيسان نبيه برّي وسعد الحريري نصيبهما من الهتاف. برّي بالإيجاب، والحريري بالسلب. بدأت السخرية: «شوفوا شوفوا تظاهرة المليونين»، «فإذا كانت تظاهرة الأحد مليونيّة فهذه تظاهرة المليونين» يقول رواد. انضمّ هذا الوفد بأعلامه وصوره إلى الموجودين في الفندق. الوزير غازي العريضي والمسؤول الإعلامي في الحزب التقدمي رامي الريّس كانا في استقبالهم إلى جانب المسؤولين في منظمة الشباب التقدمي. سلامات وقُبل بين الشباب؛ فهم أعضاء مكاتب المنظمة في مختلف المناطق، من راشيا وحاصبيا إلى جبل لبنان، إضافة إلى طلاب جامعات بيروت. تمتلئ القاعة. يصل جنبلاط. يعلو التصفيق للزعيم. بعد إغلاق الباب وخروج الصحافيين من القاعة، فتح وليد جنبلاط قلبه لشبابه، وإن لم يكن بالمقدار الذي أراده هؤلاء. قدّم أبو تيمور سرداً تاريخياً لموضوع السلاح، وكيف أنه من سبعينيات القرن الماضي سلاح المقاومة مطلوب، وكيف دافع الحزب الاشتراكي عن هذا السلاح يوم كان في يد منظمة التحرير الفلسطينيّة. أضاف أن هذا الأمر ليس جديداً، وهو مشكلة تاريخيّة، لكن حلّها لا يُمكن أن يكون إلّا من خلال الحوار، «فاليمين عارض هذا السلاح منذ زمنٍ طويل، ومن لديه طريقة ثانية لحلّ موضوع السلاح غير الحوار فليتفضّل». واسترسل في هذه النقطة، مؤكّداً أنه ضدّ استعمال هذا السلاح في الداخل، «وهو استخدم مرّة واحدة في 7 أيّار تحت الضغط»، لكنّه أعاد تأكيد رفض تعرية لبنان أمام إسرائيل. وتحدّث الرجل عن أن خطاب رئيس حكومة تصريف الأعمال سعد الحريري يوم الأحد الماضي كان حماسياً، مكرراً أن هذه الطريقة لا تصل إلى نتيجة. ودعا جنبلاط شباب حزبه إلى الهدوء وعدم الانجرار وراء الشعارات، في إشارة إلى شعارات رفض السلاح وعدم القبول بسلاح إلّا سلاح الجيش اللبناني. وكرّر جنبلاط مواقفه المعروفة لجهة العلاقة مع المقاومة والسلاح. تناول جنبلاط في حديثه إلى شباب المنظمة ما يحصل في العالم العربي من ثورات، لافتاً إلى أن هناك من يبحث عن ثُغَر في هذه التحركات لإفشالها، عبر تصويرها تحرّكات مذهبيّة. أيّد جنبلاط ثورتي مصر وتونس، لكنه أشار إلى أن ما يجري في البحرين له أبعاد أخرى بسبب إعطائه البعد المذهبي. ورأى أن ما يحصل في سوريا هو شأن داخلي. أكد عدد من الشبّان ضرورة زيارة جنبلاط المناطق، فأيّدهم. وأشار آخرون إلى النقد المتأتي من عدم وجود وسائل إعلاميّة للحزب، فأيّدهم أيضاً، مضيفاً أن على نواب الحزب ووزرائه أداء دور إضافي في هذا المجال. وتقدّم عدد من الحاضرين بنقد الأداء الداخلي للحزب وضرورات تحسينه. وطرح بعض الشبّان موضوع إسقاط النظام الطائفي، وطالبوا بأن تكون مقاربة حزبهم لهذا الموضوع ودعمه مختلفة عن طريقة بري والحريري والنائب ميشال عون، داعين نواب الحزب إلى تقديم مشاريع قوانين إلى مجلس النواب لإلغاء الطائفيّة، وفي مقدّمة هذه المشاريع الأحوال الشخصيّة المدنيّة. هنا، أيّد جنبلاط أيضاً، مضيفاً أن القانون المدني للأحوال الشخصيّة يكون حلاً للكثير من الأمور، وأعطى مثالاً؛ إذ يمنع المذهب الدرزي الزواج الديني من غير الدروز، فيكون الحلّ هو الزواج المدني. لم تغب عن اللقاءات الجانبيّة في خلوة أمس المشاركة الدرزيّة في تظاهرة الأحد الماضي. بدا الاشتراكيّون مزهوّين بالمشاركة الضئيلة، «وخصوصاً أن الحزب لم يُمارس ضغطاً على الناس لعدم المشاركة، بل اكتفى بما قاله رئيس الحزب لـ«الأنباء»، ما أثبت أن الجبل لا يزال ملتفاً حول وليد جنبلاط»، ردّد أكثر من مسؤول حزبي هذه العبارة. بدا هؤلاء مرتاحين لمرور هذا «القطوع». وعند الحديث مع الاشتراكيين، لا يُنكرون وجود مناخ مؤيّد لقوى 14 آذار في بعض الأوساط، لكنّهم يُشيرون إلى الالتزام بالخيارات السياسيّة لجنبلاط، لأن الناس «يثقون بهذا الرجل».
العدد ١٣٦٥ الخميس ١٦ آذار ٢٠١١من مئات إلى ألوف، ومن جنوب بيروت إلى شمالها، انتقلت تظاهرات المطالبة بإسقاط النظام الطائفي بزخم شبابي، في ظلّ ثورات عربية قدّمت نماذج ناجحة في القدرة على تحقيق... المستحيل
بعد تظاهرة 27 شباط من جهة الجنوب، دخلت تظاهرة «إسقاط النظام الطائفي» بيروت، أمس، من جهة الشمال. تبدّل المشهد بين التظاهرتين. المئات أصبحوا ألوفاً، وزاد من زخمهم حضور كثيف من مناطق شهدت انطلاق اعتصامات مفتوحة ونصب خيم في الساحات العامة. «14 و8 عملوا البلد دكّانة»، هتف الشباب بأعلى أصواتهم. لم يجرؤ أيّ من أنصار الفريقين الذين شاركوا في التظاهرة على أن يعترض على هذا الشعار. ولم يجرؤ أيّ من الاحزاب على أن يرفع علماً أو يُظهر شارة حزبية على رأسه. وسط شارع الجمّيزة، وعلى بعد أمتار من شركة كهرباء لبنان، تعلن شابة تحمل الميكروفون: «وصل عددنا إلى 20 ألفاً!». إعلان استدعى موجة من الهتاف والتصفيق ترافقت مع أغنية «يا ثوار الأرض» من مكبّرات الصوت. والواقع أنّ قرابة ثمانية آلاف متظاهر شاركوا أمس، لكن، «شو الفرق بيننا وبين جماعات 14 و 8 آذار إذا أصررنا على تضخيم الأعداد، كنّا كتير حلوين وفرحانين، نهار كبير كان ورائع، والمهم نكمل بالروح الطيبة»، تقول إحدى المشاركات على موقع مجموعة من أصل 7 مجموعات لبنانية «فايسبوكية» تطرح شعار إسقاط النظام الطائفي، وتضم ما يزيد على 50 ألف مشارك.
أبونا غريغوار
وصيّة غريغوار حدّاد للمتظاهرين مختصرة: «لا حزبية، لا عنصرية، لا عنفية، غيّروا النظام بالطرق السلمية». غادر «أبونا غريغوار» صومعته في بيت السيدة في الحدث، وحضر الى الدورة ليكون على رأس المتظاهرين، وإن من داخل السيارة، مثقلاً بأعوامه الـ 87. تدمع عينا المطران عندما تسأله عن شعوره وسط تظاهرة تنادي بإسقاط النظام الطائفي، وتطالب بدولة علمانية تساوي بين جميع المواطنين. فالرجل أفنى سنوات عمره من أجل هذه القضية، من أجل أن يؤكّد أن العلمانية قيمة إنسانية، وكثيراً ما عبّر عن خوفه عليها من الذين يقصرون عن فهمها الحقيقي. يقول «المطران الأحمر» إنّ ما يقوم به الشباب «جيّد جداً، وهو على الطريق الصحيح للتغيير، لكنه ككل شيء في الحياة يحتاج الى وقت، ونحن نشجعهم ونشاركهم طموحاتهم». كذلك حضر الى التظاهرة رجلا دين مسلمان، واحد سنّي وآخر شيعي. لا علاقة لحضورهما بمعادلة «6 و6 مكرّر» الطائفية. الشيخ علي الصياد، مدير وقف دار العلوم الإسلامية، يقول لـ«الأخبار» إنّ «علماء الدين يجب أن يكونوا أوّل الناس في رفض الظلم، وفي المطالبة بالعدالة الاجتماعية». في المقابل، يقول الشيخ زهير كنج إنه مع مطالب الشباب. يعرّف كنج عن نفسه ببيان وزّعه أنصاره، يقترح فيه 13 خطوة لإسقاط النظام الطائفي. هل تؤيّد فصل الدين عن الدولة، تسأله إحدى المشاركات؟ فيجيبها «المطلوب إسقاط النظام الذي يقيّدكم ويقتل طموحاتكم». جواب لم يشفِ غليل الكثيرين ودفعهم الى الصراخ على مسمع الشيخين «علمانية علمانية... بدنا دولة علمانية».
زنكة زنكة
لافتات كثيرة رفعت في التظاهرة تحمل توقيع isqatalnizam.org، وكُتبت عليها شعارات مطلبيّة عن «الكهرباء المقطوعة والرواتب المنهوبة». لكن معظم اللافتات كانت عفوية وشخصية: «حاطّين الطائفية متل جرس على ذنب بغل. والبغل بيضلّ يفنعص. والجرس يرن طائفي طائفيك طائفينا... طائي بكل يلّي هوّي طائفي»، تقول إحدى اللافتات. فتجيب أخرى: «انتفخنا من العز والكرامة والانتصار والحرية والسيادة والاستقلال ... بدنا ناكل». وتكرّ السبحة: «على البيت يا أمراء الطوائف، قرفت من الواسطة. يا طغاة لبنان دوركم آت لا محالة. الطائفية تضر بالصحة. خبز وعلم وحرية ... لا للطائفية السياسية. لا للفساد». ومن صُور، تقول إحدى اللافتات «باطل باطل ... الطائفية مرض قاتل». كما حملت إحدى المتظاهرات لافتة كتب عليها «لا أستطيع أن أصبح رئيسة للجمهورية لأنني مسلمة»، فيما استعار أحد المشاركين من خطاب معمر القذافي، وحمل لافتة تقول: «من زنكة الى زنكة لإسقاط النظام الطائفي»، لكنّ شاباً أكثر صراحة، قرّر الاعتراف: «أنا حمار طائفي وحابب صير مواطن لبناني». ولم تخلُ التظاهرات من مشاركة أطفال دون السنة، كذاك الذي حمله والده مع لافتة تقول: «ما حابب أكبر وشوف بلد طائفي». ومن الهتافات التي رددها المتظاهرون: «ثورة ثورة وين ما كان... هلق (الآن) دورك يا لبنان». شعار «الشعب يريد إسقاط النظام»، حضر بقوة أيضاً. أما كلمة «ثورة»، فتردّدت كثيراً. «ثورة ضد العنصرية والطائفية والإقطاعية». و«ثورة مع المصرية والتونسية والبحرينية والليبية واليمنية». وهي هتافات سبق أن رُدّدت في التظاهرة الأولى التي سارت من كنيسة مار مخايل الى العدلية الأسبوع الماضي. من الدورة مروراً بشوارع برج حمود، وصولاً الى شركة الكهرباء في مار مخايل، معظم المتفرجين على جوانب الطرقات وفي المحالّ، هم من العاملين والعاملات من جنسيات آسيوية مختلفة، تهامسوا في ما بينهم بشأن المشهد الذي يرونه على الشاشات في أكثر من بلد عربي، فإذا به يحطّ بينهم في بيروت. هتف المتظاهرون كثيراً للناس على الشرفات. «يلّي قاعد على البلكون نزال شوف شعبك هون». بعضهم اكتفى بتصوير المشهد عبر هاتفه النقال. آخرون رفعوا شارات النصر، فيما اختار رجل ستّيني نثر الأرزّ على رؤوس المتظاهرين. لشركة الكهرباء لبنان حصّة الأسد في التظاهرة. «نتظاهر والكهربا مقطوعة»، تقول إحدى المشاركات. أما المنشور الذي وُزِّع على المواطنين للحثّ على المشاركة، فيقول «بدّك تبطّل تدفع فاتورتين، شارك بإسقاط النظام الطائفي». وجوه كثيرة شاركت في التظاهرة من إعلاميين وفنانين ونقابيين ومثقفين وشعراء وكتّاب، مروراً بنشطاء حقوق الإنسان وقضايا المعوّقين. أما الحزبيون، فتنوّع حضورهم من مختلف الأطياف، مروراً بتجمّعات ومجموعات شبابية وطلابية ومستقلين. ختام التظاهرة بالنشيد الوطني اللبناني، وتلاوة بيان جاء فيه: «نحن مواطنين ومواطنات من الشعب اللبناني. نحن حركة سلمية احتجاجية، نريد إسقاط النظام الطائفي وجميع رموزه... ندعو الجميع الى التحرّك والانضمام إلينا». وأضاف البيان: «لمن يسألنا من نحن... نحن الشعب، ونسأل: لماذا نُحكَم بنظام طائفي دام أكثر من عهود كل من مبارك وبن علي والقذافي معاً، وهو نظام أكثر دمويةً وفساداً منهم جميعاً، أنتج الحروب والويلات والدمار والفساد». أما المطالب، فحددها البيان بـ«دولة مدنية علمانية تقوم على مبدأ المساواة بين جميع الأفراد على اختلاف انتماءاتهم». كما طالب البيان بـ«قوانين الأحوال الشخصية المدنية التي تنظّم حياة الناس على أسس مدنية لا طائفية، لا فئوية ولا عنصرية، ونظام عدالة اجتماعية يحفظ حقوق العمال والعاملات والموظفين والموظفات والطلاب والطالبات والفقراء والمهمّشين».
التحرّك المقبل
من المقرر أن يجتمع عدد من النشطاء في مقرّ تيار المجتمع المدني مساء اليوم لتقرير الخطوات المقبلة. وفي ظل تزايد عدد الاعتصامات المفتوحة والخيم المنصوبة في أكثر من منطقة، يتّجه المنظّمون الى إقرار تحركات لامركزية هذا الأسبوع مع ترك بيروت لفريق 14 آذار، الذي من المقرّر أن يلتقي في ساحة الشهداء في 13 آذار، لكنّ هذا الاتجاه لم يُحسم بعد، فقد دعا البعض عبر موقع «فايسبوك» الى التظاهر في اليوم نفسه للقول إن هناك رأياً آخر في البلد، بينما اقترح بعض آخر التظاهر يوم الاثنين في 14 آذار في ساحة الشهداء. وفيما يستمر الاعتصام المفتوح أمام وزارة الداخلية في الصنائع وفي ساحة الشهداء في صيدا، يفتتح يوم غد الثلاثاء اعتصام مماثل في ساحة بحمدون في قضاء عاليه. أما في بعلبك، فنظّم أمس اعتصام بدعوة من «اللجان الشعبية الإصلاحية في بعلبك» في باحة القسيس في المدينة، احتجاجاً على الغلاء المعيشي والنظام الطائفي. وأكد المتظاهرون أن هذه الخطوة ستعقبها خطوات مستقبلية.
يستحق «شباب الفايسبوك» أن ترفع لهم القبّعات. أولاً لأنهم غادروا الفايسبوك الى كنيسة مار مخايل، واجتمعوا هناك بالمئات، مواطنين ومواطنات، في تظاهرة «من أجل إسقاط النظام الطائفي في لبنان»
سيكتب الكثير عن تظاهرة «من أجل إسقاط النظام الطائفي في لبنان». عن هذا الحراك المدني الاستثنائي في طقس عاصف، الذي تجاوز، كل من خوّن، وشكك، وهدد، وحرّض، ورهّب، وصولاً الى من خطف نشطاء كانوا يوزعون منشوراً يدعو الى المشاركة. لكن، تكفي متابعة 4100 تعليق على موقع المجموعة على الفايسبوك، لكي يتضح بأن العالم الافتراضي، يستضيف حواراً وطنياً ديموقراطياً، أكثر عمقاً وصراحة من حوار زعماء الطوائف في الغرف المغلقة. «سباحة سباحة على العدليّة، كرمال عيون العلمانيّة. سباحة سباحة على العدلية، نكاية بكل الطائفية». ساعة ونصف ساعة استغرقتها المسيرة، لم يتوقف فيها المطر دقيقة واحدة، بل إن الزخات كانت تقوى في بعض الوقت، لتحول الشوارع التي سلكتها التظاهرة الى نهر من المياه. اختلفت تقديرات أعداد المشاركين. فالمتحمسون قالوا: 4 آلاف، والمتفائلون قالوا: 3 آلاف. لكن الأكيد، أن التظاهرة كانت تضم أكثر من 1500 «سبّيح»، كان أولها في الطيونة وآخرها عند بيروت مول. نورد هذا الرقم الأقرب الى الواقع، كي لا ينسى المنظّمون أن 12500 مشارك على الفايسبوك حضر 10 في المئة منهم فعلياً، وأن ليس كل من نقر زرّ «سأحضر» وهو يجلس خلف شاشة جهازه، في لبنان والخارج، سوف يحضر فعلياً ويهتف «الشعب يريد إسقاط النظام». شعارات كثيرة رددها المشاركون. أغلبها جرى التصويت عليها مسبقاً في الاجتماعات التحضيرية، التي عقدت في مقر تيار المجتمع المدني في بدارو، وأذيعت على مكبرات الصوت التي وضعت على شاحنة بيضاء تقدمت المسيرة. بحّت الحناجر وهي تصرخ «ثورة». ثورة على كل شيء. على النظام الطائفي ورموزه. على أمراء الحرب والطوائف. على نظام المحاصصة والتوريث السياسي. على الاستغلال الاجتماعي والاقتصادي، والبطالة، والهجرة والفقر والتهميش. ومن الهتافات «ثورة ثورة في كل مكان إجا دورك يا لبنان». ولم ينسَ المشاركون توجيه التحيات الى الثورات العربية: «مع المصرية... ثورة، ومع اليمنية... ثورة. مع البحرين... ثورة ومع الليبية... ثورة». أما مطالب المشاركين فقد وزعت في بيان أهمها: «دولة علمانيّة مدنيّة ديموقراطيّة. والحق في العيش الكريم لكل المواطنين من خلال رفع الحد الأدنى للأجور. وخفض أسعار المواد الأساسيّة والمحروقات. تعزيز التعليم الرسمي. وتكافؤ فرص العمل وإلغاء المحسوبيّة، الوساطة، والرشى. والحق في المسكن اللائق وتعزيز الضمان الاجتماعي وإقرار ضمان الشيخوخة». وللمواطنين الذين أطلّوا من الشرفات هتف المشاركون: «يلّي قاعد ع البلكون انزل شوف شعبك هون». «لا 14 ولا 8 نحنا الشعب اللبناني». ويكمل المشاركون تعريف أنفسهم: «نحنا حركة مدنية، نحنا حركة سلمية ضد الرجعية والطائفية». إحدى المشاركات اختارت لنفسها حمل لافتة كتب عليها «كرّهتونا بشهر آذار... أنا بقاتل إسرائيل وبشرب كاس». واكبت المسيرة سيارة للقوى الأمنية، وثلاثة دراجين، وجيب مدني يضم عناصر من فرع المعلومات. فهود مكافحة الشغب ومغاوير الجيش كانوا يحتمون من المطر تحت جسر العدلية. أما وزير الداخلية في حكومة تصريف الأعمال زياد بارود فأعلن في تصريح لـ«النشرة» أنه «لو لم أكن بالموقع الرسمي لكنت شاركت بالتظاهرة». إعلان استدعى زخماً من التعليقات طالبت الوزير بالاستقالة فوراً والانضمام إلى «الثوار». شعور بالفرح والتفاؤل والثقة بالنفس ساد المشاركين، بعدما اختتموا نشاطهم تحت جسر العدلية ورفعوا أيديهم تحية للعلم اللبناني والنشيد الوطني. القلق من تجيير التحرك لفريق واحد كان بادياً في مقدمة التظاهرة التي احتلها شباب مستقلّون وضعوا بادج كتب عليه «مواطن منظّم». وكذلك في التسابق على اعتلاء الشاحنة التي حملت مكبرات الصوت. لكن ما كتبه ماهر دياب تعليقاً على مشاركته يشي بهواجس من نوع آخر كاعتراضه على ما سمّاه «الجانب السوقي من الشعارات متل «كلاب الطائفية» وهي عبارات «صار لازم يكون لها رديف متل كلاب العلمانية» مثلاً. على حد قوله. اعتراضات أخرى برزت في التعليقات، أهمها أن «الحملة تريد معالجة النتيجة (النظام الطائفي)، بينما نعتقد في رأينا المتواضع أنه يجب معالجة أساس المشكلة (الطائفية) التي نجدها في المجتمع والنفوس وأماكن العمل والدراسة وطريقة التصرّف. كما كتب نينار في مدونته: «أي إصلاح يأتي من تظاهرة سيسقط في تظاهرة طائفية مضادة في اليوم التالي. كما أن إلغاء النظام الطائفي في ظلّ شعب طائفي لا يعني نهاية الطائفية». وجوه بعض كتّاب 14 آذار كانت في المسيرة. مشاركة شخصية لم تستفزّ المشاركين غير الحزبيين. لكن الاستفزاز جاء من قناة أخبار المستقبل التي بثت تقريراً عن التظاهرة، تحدث فيه مسؤول شبابي من تيار المستقبل باسم التحرّك وباسم المشاركين فيه. وتعليقاً على التقرير أوضح بيان باسم «المواطنين والمواطنات والمجموعات الشبابية والطلابية والمستقلين والمستقلات، الذين واللواتي نظّموا ونظّمن هذا التحرّك، يؤكد ويكرر مجدداً «أننا لا ننتمي لا لقوى ١٤ آذار ولا لقوى ٨ آذار أو لأي اصطفاف طائفي، وكل محاولة من أي حزب أو تنظيم سياسي لتجيير أو استخدام هذا التحرّك من أجل مآرب طائفية وسياسية ضيّقة هي مرفوضة ومستهجنة، وخاصة أن شعار التحرّك هو إسقاط النظام الطائفي وجميع رموزه». في المقابل، لم يكن ردّ فعل أنصار فريق 8 آذار أقلّ حجماً. فلقد زخر موقع فايسبوك بمئات التعليقات التي اتهمت المنظّمين بأنهم «عملاء». ولم تتوان إحدى المشاركات عن السؤال: «أعلن الرئيس الإسرائيلي منذ أسابيع أن سقوط حزب الله سيكون على أيدي الشعب اللبناني، هل يقصد على أيدي هذه التحركات المشبوهة ومن يقف وراءها؟ أما علي الزين فكتب: «أنا مع إلغاء الطائفية السياسية ومع علمنة المجتمع في لبنان، لكني أيضاً ضد إسرائيل وضد وجودها، وبعض الناس يستخدمون هذه الشعارات للأسف فقط للنيل من المقاومة». هذا على الفايسبوك، أما في الميدان فأثناء قيام عدد من النشطاء بتوزيع قصاصات تدعو إلى التحرك والمشاركة الشبابية في التظاهرة في منطقة طريق صيدا القديمة، أقدمت مجموعة مدنية داخل سيارة على اختطافهم واقتيادهم الى مكان مجهول في الشياح، إذ عمدوا الى ضربهم وتوجيه السباب والشتائم لهم، وتهديدهم بالتوقف عن النشاط، وإلغاء التظاهرة، قبل إطلاق سراحهم بعد ثلاث ساعات». قطاع الشباب والطلاب في الحزب الشيوعي اللبناني، أصدر بياناً «أدان بشدة هذا العمل الفردي ـــ الأمني غير المسؤول، ورأى أن عمل خفافيش الليل لن يرهب رفاقنا ولا حزبنا (...) ولن تثنيه مجموعة موتورة مفترض أنها تابعة لجهة سياسية تطالب بإلغاء الطائفية السياسية، على محاولة زرع الخوف والرعب في الطرقات». وأعلن الشيوعي أنه بدأ التحضير لـ«يوم 20 آذار مسيرة الغضب الوطنية اللبنانية والعربية»، ويوم 17 نيسان مسيرة العلمانية، ويوم الأول من أيار مسيرة الغضب العمالي».
التحركات المقبلة
اختلطت الآراء والمعلومات بشأن الخطوة المقبلة التي من المفترض أن يقوم بها المنظمّون. بعضهم حسم موقفه ودعا إلى تظاهرة مماثلة الأحد المقبل. أما البعض الآخر فذكّر بـ«الاجتماع العام الأول للحملة» الذي كان مقرراً قبل الدعوة إلى المسيرة، والذي سيعقد في قصر الأونيسكو الأحد المقبل في 6 آذار عند الساعة الحادية عشرة قبل الظهر. في المقابل، أعلن المنظّمون أنهم سيجتمعون يوم غد الثلاثاء عند السابعة مساءً، على أن يعلنوا مكان الاجتماع في بيان لاحق. ومن المقرر أن يناقش الاجتماع خطة عمل يقرر على أساسها الاكتفاء بالتحرك المركزي في بيروت أو الانتقال الى المناطق. وفي اليوم نفسه دعت حملة التضامن مع الثورات الشعبية الى اعتصام تضامني مع الشعب اليمني أمام السفارة اليمنية في بئر حسن عند الخامسة مساءً. وكانت الحملة قد اعتصمت أول من أمس السبت أمام مقر الاتحاد الأوروبي في بيروت، ودعا المتظاهرون الاتحاد الأوروبي إلى التوقف عن الدعوة إلى التدخل العسكري لحلف الناتو في ليبيا.
العدد ١٣٥٠ الاثنين ٢٨ شباط ٢٠١١
الأخبار: «نريدها جامعة للشعوب العربية، لا جامعة للأنظمة العربية»، لافتة رفعها معتصمون أمام مكتب الجامعة العربية في بيروت المختص بالقضايا القانونية والقضائية. المعتصمون طالبوا المكتب بتنفيذ بند واحد «محاكمة مجرم الحرب معمر القذافي»
بسام القنطار «ليبيا منبع الثوار أحفادك عمر المختار/ يا معتوه وعملت زعيم فلسطين مش إسراطين/ يا قذافي مهما أجرمت إحنا كسرنا جدار الصمت/ يا قذافي اصحا وشوف احنا قتلا خلاص الخوف/ يا مريض بجنون العظمة القذافي عار على الأمة». هتافات صدحت بها حناجر المعتصمين أمام مكتب الشؤون القانونية والقضائية في جامعة الدول العربية ـــــ مكتب بيروت. الاعتصام الذي دعت إليه «حملة التضامن مع الثورات الشعبية ـــــ لبنان» شارك فيه قرابة خمسين شاباً وشابة يمثلون مجموعات شبابية يسارية، بمشاركة شبان من جنسيات عربية مختلفة من تونسية وليبية وجزائرية وبحرينية ومصرية، تجمعوا في شارع بشارة الخوري وانطلقوا في مسيرة باتجاه مكتب الجامعة العربية في شارع بيضون في الأشرفية.
وكانت المجموعات الشبابية والطلابية التي نظمت حملات التضامن مع ثورات تونس ومصر والبحرين في لبنان قد عقدت اجتماعاً في مقهى 101 في بيروت أول من أمس، وقررت الائتلاف والتنسيق في ما بينها لمواكبة الثورات الشعبية المشتعلة في العديد من البلدان العربية تحت اسم «حملة التضامن مع الثورات الشعبية ـــــ لبنان».رُفعت في مقدمة المسيرة لافتة خضراء كتب عليها «نريدها جامعة للشعوب العربية، لا جامعة للأنظمة العربية». كذلك رفع المشاركون أعلام الدول العربية على اختلافها وصور القذافي وإلى جانبها عبارة «القذافي قاتل»، ورفعت أيضاً خريطة كبيرة للوطن العربي كتب عليها «ثورة ثورة حتى النصر مستمرة للنهاية، ثورة تونس ثورة مصر كانوا هم البداية». وفي الاعتصام صورة للسيد موسى الصدر ورفيقيه الشيخ محمد يعقوب والصحافي عباس بدر الدين.هتافات المعتصمين لم توفر نجلي العقيد معمر القذافي سيف الإسلام وهنيبعل: «سيف الإجرام ليبيا حرة عم تحفر لبيك قبره؛ هنيبعل قول لأبوك الليبيين رح يعدموك». ولرئيس الوزراء الإيطالي سيلفيو برلسكوني الصديق الحميم للقذافي رسالة قاسية أيضاً: «برلسكوني يا ابن الفاشية ليبيا بتبقى عربية مش مزرعة قذافية». النصيب الوافر من الهتافات كان موجهاً إلى الأنظمة العربية: «يا أنظمة ساكتين ليه مين فيكن الدور عليه؟ يا أنظمة يا حكام يا عملاء الأمريكان/ التاريخ مش رح يرحمكم في مزبلتو رح يدفنكم».الناشط التونسي منصف بن علي تلا مذكرة باسم المعتصمين أكدت أهمية الاعتصام أمام مكتب جامعة الدول العربية، «لرمزيته في تمثيل الأنظمة العربية المتسلطة وحكوماتها القمعية والمصادرة للحقوق والحريات والثروات في الوطن العربي، لا الشعوب». ونددت المذكرة بالأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى ووصفته «بالموظف المطيع للأنظمة» ودعته إلى «عدم التدخل في ثورات شعوبنا، وألا يركب موجتها لأنه مكشوف وتاريخه معروف». أضافت المذكرة: «أنت لا تمثلنا، وكذلك جامعة أنظمة الطغاة التي تديرها. وقريباً سيتوجه إليها الثوار والأحرار ليحولوها فعلاً إلى جامعة للشعوب العربية».وفي المذكرة «تحية إلى شعبنا الأبي في ربوع ليبيا وثوارها لنكبر فيهم ثورتهم وانتفاضهم على الطاغية وأعوانه وزبانيته انتصاراً للكرامة وحرية الوطن والمواطن ومن أجل الخلاص من الاستبداد ونظام فاشي سلب الحريات والثروات».ونددت المذكرة «بممارسات النظام وجرائمه بحق شعبنا في ليبيا التى ستلقى عقابها عاجلاً لا آجلاً». ودعت «ثوار تونس ومصر إلى مد يد العون لإخوانهم على جهتي الحدود».المستشار في الجامعة العربية باسم حيدر شارك في الاعتصام، معلناً أنه سيرفع رسالة المعتصمين إلى الأمانة العامة في القاهرة. فكان الرد من المعتصمين بأنهم لا يعترفون بالأمانة العامة الحالية، وأنها فاقدة للشرعية مثلها مثل الأنظمة التي تتهاوى واحدة تلو الأخرى. حيدر رد قائلاً: «أتفهم غضبكم، وأنا واحد منكم».وكانت مجموعة من الشباب قد دعت عبر موقع فايسبوك إلى النزول إلى «بيت الأمم المتحدة» وسط بيروت للتظاهر تنديداً بالمجزرة القذافية بحق الشعب الليبي. وأكد الداعون، وبينهم الزميل غسان جواد، أن «الدعوة مفتوحة، وليس هناك أي برنامج سوى الطلب بإلحاح من المجتمع الدولي والضغط عليه لوضع حد للطاغية المجرم معمر القذافي ووقف الجريمة البشعة التي يرتكبها بحق الشعب الليبيي». ورغم تأكيد 155 شخصاً حضورهم عبر فايسبوك، إلا أن التجمع الذي نُظم عند الثالثة بعد الظهر لم يشارك فيه إلا بضعة أشخاص.وفي المواقف، أصدر عدد من الناشطين السياسيين والإعلاميين والمحامين بياناً طالبوا فيه المجتمع الدولي بـ«إحالة القذافي ومعاونيه على محكمة الجزاء الدولية». وأدانت لجنة المتابعة لمنظمات المجتمع المدني في لبنان، في بيان أصدرته أمس، «الممارسات الإجرامية للنظام الليبي». وانتقدت بشدة «الصمت المريب لمعظم الأنظمة الغربية ولمنظمات الأمم المتحدة وكل المنظمات الحقوقية العربية والعالمية، وناشدتهم التحرك السريع بالرصد والمتابعة وتسليط الضوء والتحقيق في كل الانتهاكات التي يمارسها النظام الليبي بحق شعبه الأعزل».في روزنامة اليوم اعتصام عند الساعة الرابعة في حديقة جبران أمام بيت الأمم المتحدة في رياض الصلح. الدعوة موجهة بلا تنسيق مسبق من جهتين: الأولى تطلق على نفسها اسم «منظمة الشباب القومي العربي». أما هدف الاعتصام ـــ بحسب الدعوة عبر فايسبوك ـــ فهو «الانتصار لثورة الشعب العربي في ليبيا والبحرين واليمن». والدعوة الثانية وجهها طلاب من كلية الطب في جامعة بيروت العربية، وبينهم الناشطة لارا أبو صالح تحت عنوان «وقفة تضامنية نصرة لأحرار ليبيا».
الأخبار: هكذا اعتدت القوات الأمنية على المتظاهرين أمام السفارة المصرية في بيروت (هيثم الموسوي)«علّمنا غيفارا كيف نفجّر سفارة»، هكذا هتف المحتجّون. لم يفجّروا السفارة، فإزاحتهم لشريط شائك كانت كفيلة بالاعتداء عليهمبسام القنطار ليست المرة الأولى التي تنزل فيها أعقاب البنادق على رؤوس المعتصمين أمام السفارة المصرية في بيروت، لكن المشهد الذي لم يدم لأكثر من عشرين دقيقة كان كافياً لتأكيد أن الأمن اللبناني لا يختلف كثيراً عن نظيره المصري. هجوم وحشي وضرب بالهراوات وأعقاب البنادق، تصويب أسلحة الى صدور المحتجّين بأيد مرتبكة، كان يمكن في أي لحظة أن تضغط على الزناد وتتسبب في مجزرة. كل ذلك حدث أمس في بئر حسن وليس في ميدان التحرير. وليكتمل مشهد التشابه بين مصر ولبنان، كان الجيش هو أيضاً على الحياد، وشكّل، بعدما حضر فجأة الى المكان، الحد الفاصل بين المتظاهرين والقوى الأمنية، وتفاوض مع المتظاهرين وواكبهم في رحلة العودة الى محيط السفارة، بعدما لاحقتهم القوى الأمنية الى محيط المدينة الرياضية.خمس سنوات من برامج التدريب الأميركي للقوى الأمنية اللبنانية، التي أُنفقت عليها ملايين الدولارات، سقطت أمس أمام مشهد أمني هزيل ومرتبك. لا اطفائيات الدفاع المدني ولا القنابل المسيّلة للدموع. قمع من دون مقدمات حصل أمس بعدما تجرأ المتظاهرون وأزاحوا الشريط الشائك الذي نُصب عند المدخل المؤدي الى محيط السفارة المصرية في بيروت.المشهد كان هادئاً عند الساعة الرابعة، موعد الاعتصام الذي دعت إليه المنظمات الشبابية والطلابية اللبنانية، قبل ساعة من الموعد الثابت للاعتصام اليومي والمستمر أمام السفارة المصرية منذ 7 أيام، وتشارك فيه مجموعات شبابية وطلابية ومستقلّون والعشرات من أفراد من الجالية المصرية.غالبية المشاركين كانوا من الحزب الشيوعي اللبناني، واتحاد الشباب الديموقراطي، والتنظيم الشعبي الناصري، والشباب القومي العربي. وجوه بعض الملثمين بالكوفيات، تشي بأن الاعتصام سيكون حامياً. توزّع هؤلاء عند جوانب الشريط الشائك وبدأوا بهدوء يقطعون الشريط الشائك المثبت بطريقة بدائية، لا تشبه أبداً الشريط الذي يثبت عادة أمام السفارة الأميركية في عوكر، والذي يحوي شريطاً فولاذي يصعب قطعه.دقائق معدودة ونجح المعتصمون في سحب الشريط الشائك وقطع الطريق العام، لكن القوى الأمنية لم تمهلهم أو تتفاوض معهم لاستعادة الشريط الى مكانه بل بدأت بضربهم. ضرب طاول الفتيات والشبان من دون تمييز وتخللتها ردود من بعض المتظاهرين بعصي الأعلام التي كانوا يرفعونها.حصيلة المعركة كانت سبعة جرحى من المتظاهرين هم: رغيد جريديني، علي بصل، عاصم ترحيني، خضر سلامة، أحمد عبد الله، محمد معوش ويارا أبو حيدر. فيما اعتلقت القوى الأمنية ثلاثة شبان هم أسامة فرحات وأحمد مروة وأحمد فضل، قبل أن يطلق سراحهم بعد فض الاعتصام.واستُكمل الاعتصام عند الساعة الخامسة والنصف بعدما سمحت فرقة من الجيش اللبناني للمتظاهرين بالعودة الى المكان، الذي استعاد الشريط الشائك الذي رُمّم على عجل. وتباعاً، انضم الى المتظاهرين عدد من أفراد الجالية المصرية الذين حملوا أعلاماً مصرية وأخرى فلسطينية وتونسية وصوراً للرئيس المصري جمال عبد الناصر الذي عُلّقت له صورة عملاقة على إحدى المنصّات الإعلامية الملاصقة للمكان. ومن اللافتات التي رُفعت واحدة تصف الرئيس المصري حسني مبارك بـ«الطاغية» مع شعار «ما بيفهمش عربي، احكي معاه بالعبري». وأحرق عدد من المتظاهرين العلم الإسرائيلي وداسوه. كذلك عُلّقت في الاعتصام مشنقة ترمز إلى المطالبة بإعدام مبارك.وتعقيباً على الاعتداء على المحتجّين، أصدر قطاع الشباب والطلاب في الحزب الشيوعي بياناً أشار إلى أن «القوى الأمنية المكلفة بحماية السفارة المصرية في لبنان، يبدو أنها قد أخذت دروساً من مشاهداتها لقمع العناصر الأمنية المصرية للشعب المصري». وأعرب عن أسفه «للتصرف غير المهني الذي بادرت القوى الأمنية إليه وضربت المعتصمين»، فيما طالب وزير الداخلية في حكومة تصريف الأعمال زياد بارود باتخاذ الإجراءات المناسبة لمحاسبة المعتدين. --------------------------------------------------------------------------------ثلاثة اعتصامات اليوميشهد محيط السفارة المصرية اليوم مجموعة من الاعتصامات، تبدأ عند الثالثة باعتصام دعت إليه الجماعة الإسلامية. وعند الرابعة اعتصام بدعوة من الحركة الوطنية للتغيير الديموقراطي وحركة «الشعب»، وحركة الناصريين المستقلين ـــــ المرابطون. ويستكمل عند الخامسة الاعتصام اليومي بدعوة من مجموعات شبابية وطلابية ومستقلّين وأفراد من الجالية المصرية، وقد دخل يومه الثامن. وفيما كان يتوقع أن يدعو لقاء الأحزاب والقوى الوطنية اللبنانية والفلسطينية إلى الاعتصام، اكتفى اللقاء بإطلاق موقف تضامني سياسي، على غرار ما فعلت العديد من المنظمات غير الحكومية، ومن بينها شبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية، التي أكدت أهمية دور منظمات المجتمع المدني في التعبير عن مختلف مكوّنات المجتمع، والمشاركة في صناعة القرار واتخاذه وتنفيذه. الديكتاتوريات العربـية بداية النهاية العدد ١٣٣٢ الجمعة ٤ شباط ٢٠١١
الأخبار: فداء عيتاني
عشرات وربما، بأحسن الأحوال، بضع مئات من الشابات والشبان الشيوعيين واليساريين المتحمّسين، والوطنيين من غير القوى الرسمية، تجمّعوا بعد ظهر أمس، كما حالهم منذ أيام، أمام السفارة المصرية في بيروت ليهتفوا: «الشعب يريد إسقاط النظام». هؤلاء الشبان والشابات أرادوا توجيه تحية إلى شعب مصر، وعلى طريقتهم، وإيصال رسالة إليه بأن هناك من يكترث لأمره، ويناصر ثورته، ولكن لم يكن الوقوف أمام السفارة والهتاف كافيين. كانوا يريدون أيضاً إزالة السياج الشائك الذي تضعه قوى الأمن الداخلي كل يوم بعد الظهر في وجههم، وتعزلهم عن الشارع المؤدي الى محيط السفارة، وتبقيهم بعيداً عن مبنى السفارة مئة متر، ربما كي لا يصل صوتهم الى مكاتب السفارة المصرية ويزعج بعض القناصل ورجال الاستخبارات فيها.أراد هؤلاء الشبان إزالة الشريط الشائك كي يهتز قليلاً من يقف على شرفات السفارة يراقب التجمّعات كل يوم، وكي يضمنوا وصول رسالتهم، وليشعِروا القوى المؤيدة للمقاومة، التي تعدّ قياداتها بالعشرات بقليل من الخجل، فلربما قررت أن تتحرك بعد طول سبات في الصالونات وغرف الانتظار، وتنزل إلى الشارع لتبرهن أنها فعلاً لا قولاً تدعم واحداً من شعاراتها المعادية للأنظمة العربية التي تتآمر على المقاومة ورَبْعِها.إلا أن ما وقع أن قوى الأمن الداخلي قررت إزالة السياج الفاصل مع المتظاهرين والهجوم عليهم ومطاردتهم، وصولاً إلى أقصى الشارع، والإمساك بمجموعات صغيرة، وضربها بالعصيّ والهراوات، واعتقال شابّين، وجرح سبعة.كانت تجربة الشبان مع قوى الأمن، ومن خلال التجمعات اليومية التي أقاموها على مدى الأيام الماضية، تفيدهم بأن القوى الأمنية ستعمد الى رشّهم بالماء أولاً، ومنعهم من إزالة السياج ثانياً، وقرروا أن إزالة السياج بالكامل ليست ضرورية كي لا تقع مواجهة، إلا أن قوى الأمن أرادت المواجهة، وحصلت. وراح الشبان يشبّهون القوى الأمنية اللبنانية بالشرطة المصرية.في وزارة الداخلية، كان الوزير وطاقمه على غير دراية بما يحصل، إذ كانت التعليمات هي عدم الهجوم على أي تظاهرة، والاكتفاء بالدفاع عن مواقع قوى الأمن.ومَن هجم على الشبان ربما أراد إرسال رسالة معاكسة، ولكن الى الداخل اللبناني، بأن أيام حكومة الرئيس المكلف نجيب ميقاتي لن تكون وردية، وأن الحوادث يمكن أن تقع على غير دراية وتخطيط، وخاصة أن بعض جنود قوى الأمن كانوا يوجّهون البنادق نحو المعتصمين.هذا في الشارع، أما في الصالونات، فإن القوى المؤيدة للمقاومة في لبنان، والتي تعتبر أنها اليوم تمثّل جزءاً من السلطة التي تبنى، اكتفت من اللحظات الأولى للثورة التونسية، وحتى اليوم بالاعتصام في صالوناتها المترفة، وفي مكاتبها الفاخرة، وهي تطلق عبر بياناتها اليومية نظريات استراتيجية في أهمية ما يحصل في العالم العربي.وراحت القوى الناصرية تتنافس في إطلاق الموقف الأعلى على المنابر، وتثير عواطف من الشبان الذين تجمعهم في الغرف المغلقة والفنادق الفاخرة، والقاعات المقفلة، ولكن دون أن تسمح لهذه العواطف بالخروج الى العلن، إلا عبر بيانات ونقل تلفزيوني، ولكن التعبيرات المباشرة ممنوعة، إذ لم يبقَ من القوى هذه إلا مجموعة من العواطف كما يبدو، تتذكر إطلاقها نحو التعاطف مع «أمتها العربية» كلما لاحظت ارتعاشة في جسم الشعوب المريضة والغائبة عن الوعي.بعض هذه القوى أكثر من محرج اليوم، إذ إن علاقته بالسفارة المصرية لا تخفى، وهذا البعض كان يحتجّ حين يقال إنه غير قادر على تجميع 500 شخص بالحلال وبالقناعة السياسية، أي من دون توزيع الدعم المعنوي على العناصر في نهاية كل شهر. وهو كان ينتظر اليوم الذي يبرهن فيه أنه قادر على تجميع حشد، ولكن للأسف فإن الظروف غير مناسبة اليوم، وأي تحرك في الشارع سيستاء منه مَن في السفارة، كما سينهي أي حلم في الدخول الى حكومة الرئيس المكلف.أما العديد من القوى المؤيدة للمقاومة فهي تنتظر تعليمات قيادتها الحقيقية في لبنان وسوريا، وهذه التعليمات تأتي عادة مشفوعة بالدعم المعنوي المناسب، وبعدها يصار الى تأمين الحشد والإعلام واللافتات ودفع بدلات الانتقال إلى مكان الاعتصام ومنه، وتحديد حجم العدد البشري المشارك، ففي ذلك دلالات سياسية عظيمة الأهمية، ولا يمكن التحرك من دون أمرين سبق ذكرهما، أولاً الأوامر المشفوعة برؤية استراتيجية محددة في خدمة الدفاع عن قوى المقاومة، وثانياً الدعم المعنوي لتيسير الأمور.
العدد ١٣٣٢ الجمعة ٤ شباط ٢٠١١
الأخبار: محمد نزال
شبّان لبنانيون تجمّعوا أمس أمام السفارة المصرية في بيروت. أرادوا التضامن مع رفاق لهم في ميدان التحرير في القاهرة. ليس بيدهم سوى رفع الصوت، مع ودّهم ربما لو كان بالإمكان أكثر. لكن شرطة لبنان قمعتهم، ضربتهم، طاردتهم وحاولت إذلالهم. على أي أساس سمحت الشرطة لنفسها بالمس بكرامة الناس. القانون يوجب على أفراد الشرطة حماية الأماكن التي يحرسونها، صحيح، ولكن هل يسمح هذا القانون بضرب المحتجّين بالهراوات والعصي على رؤوسهم، بطريقة قد تؤدي إلى القتل، بدل استهداف أماكن لا تمثّل خطراً على الحياة كالرجلين والوسط مثلاً؟ هل من المقبول أن يركل رجال الأمن رأس محتج وقع أرضاً أثناء فراره منهم؟ أين نتائج الدورات التدريبية التي تلقّاها هؤلاء على أيدي الخبراء الفرنسيين خلال السنوات السابقة؟ هل يحق للشرطي أن يتوجه إلى المتظاهرين، الغاضبين نعم، بسباب وشتائم لا تسمح المعايير الأخلاقية بذكرها؟ كيف لهم أن يضربوا فتاة، بعمر الورد، على رأسها وظهرها بالهراوات والعصي، فيما هي مستسلمة ولا حول لها ولا قوة؟ بأي حق يضربون مصوّراً صحافياً بالهراوة على رأسه، وهو يخبرهم بمهنته، وأنه ليس من المتظاهرين؟لم يكن المشهد أمام السفارة المصرية أمس مقبولاً. ردّ فعل رجال الشرطة كان قاسياً جداً، رأى فيه بعض المتظاهرين أنه زايد على وحشية «بلطجية» مصر ورجال أمن فرعونها. هل هذه هي نتائج دورات «الشرطة المجتمعية» التي تلقى دروسها رجال الأمن في لبنان على أيدي خبراء أميركيين، والتي «طوشوا» آذان اللبنانيين بفضلها الذي سيعمّ الجميع؟ يا لفضلها العميم! كان يفترض برجال الشرطة أن يكونوا مدربين على إبعاد المتظاهرين. هذه هي مهمتهم، لا إذلال الكرامة الإنسانية وإلحاق الأذى بالمواطنين. ما حصل أمس برسم وزير الداخلية زياد بارود، الذي لطالما نادى بوجوب احترام القوى الأمنية لحقوق الإنسان، وكذلك برسم المدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء أشرف ريفي، الذي تعهّد في خطاب تكليفه بأن «تسود مفاهيم حقوق الإنسان والاحترام والديمقراطية وحرية التعبير». على كل حال، ثمة شاب كان الدم يغطي وجهه، أمس، انسحب وهو يردّد في وجه رجال الشرطة: «سأعود غداً».
العدد ١٣٣٢ الجمعة ٤ شباط ٢٠١١
الأخبار: خالد الغربي
صيدا ــ في الاعتصام الاحتجاجي على ارتفاع الغلاء، الذي نظمه اتحاد الشباب الديموقراطي اللبناني على الطريق العام بين صيدا وصور في بلدة عدلون، صدحت ريما عبود بأعلى صوتها: «14 و8 حرقتوا دين اللبناني»، فتأتيها الرديّة من المعتصمين: «أكلو حقّك يا شعبي، كلن فاتو باللعبة، 14 و8 قلبو الوطن دكانة. بيكفي فقر، بيكفي جوع. تحرّك يا شعبي الموجوع». صورة المعتصمين من شباب وصبايا من «أجل لقمة عيش كريم وكسب شريف» اخترقت المشهد اللبناني المثقل بحمأة صراع سياسي محموم اتّخذ طابعاً مذهبياً وطائفياً، على تأليف حكومة «لن يكون في وسعها تقديم أمن اجتماعي» يقولها واثقاً، حسن طحان، ويضيف: «التوقيت صائب لنقول للزعماء، إن لقمة العيش ووجع الناس، الغائبَين عن اهتمامات أهل السلطة، أهمّ بكثير من صراعاتكم الطائفية والمذهبية». نالت حكومات الحريري المتعاقبة القسط الأكبر من انتقادات المعتصمين، فحمّلوها المسؤولية ومعها كامل مكونات السلطة، والأحزاب الباقية أيضاً. فقد كانت هناك لافتات تؤكد: «سنشتاق للمجدرة، ونترحّم على الفروج»، إذ إن «مقاومة الظلم الاجتماعي تساوي مقاومة الاحتلال، فأين أنت يا سيّد؟». لكن لائحة النقد طالت أيضاً الرئيس نبيه برّي «فهو مسؤول مباشر عن وضع اجتماعي مذر أقلّه لموافقته على إمرار مشاريع اقتصادية متوحشة». ويخاطب مسؤول اتحاد الشباب الديموقراطي في عدلون، ياسين عبود، المسؤولين: «فلتعلموا يا من نالت الكراسي منكم، وأتعبتم الآذان من تنميق كلامكم، أننا نجيد التفكير، نهوى الحرية ونعشق التقدّم. ولتعلموا أن ثورة محمد بوعزيزي ليست سوى مثال يرعب القلوب الضعيفة، الثابت في الحكومات التي تعاقبت، هو النهب والسرقة والاحتيال».
الاثنين ٢٤ كانون الثاني ٢٠١١سبق أن شاهدنا هذا الفيلم. الرئيس إميل لحّود قادم إلى السلطة على صهوة حصان أبيض، تسبقه إلى قصر بعبدا حكايات تشهد على نظافة كفّه وعدم تساهله مع الفساد والفاسدين. وهو، بخلاف العماد ميشال عون، لم يكن مثقلاً بتجربة سياسيّة سابقة. لكنّه، تماماً كعون، مدعوم من ضبّاط كبار في الجيش رأوا في التغييرات السياسيّة فرصة لتجديد دور المؤسّسة العسكريّة وتنشيطه. كذلك رُوِّجت له صورة «المسيحي القوي» الذي سيعيد الأمجاد الغابرة. عون ليس متوجّهاً اليوم إلى قصر بعبدا. لكنّ صورته تقف وراء الخطاب المؤيّد لرحيل الحريريّة عن السلطة. فتماماً كما حصل في 1998، جرى التنظير لأسباب داخليّة وإقليميّة تبيح محظور القفز فوق التوازنات الطائفيّة اللبنانيّة. وهو تنظير انطلقت مسلّماته الإقليميّة من دمشق، وطرب له حزب اللّه، وتبنّاه المبعدون عن السلطة في لبنان. آنذاك، أُدخلت تحسينات على السياسة الاقتصاديّة، لكنّ رموزاً للفساد بقوا متربّعين على كراسيّهم، فيما شُنَّت حملات انتقائيّة على آخرين. انتهى الخطاب الطهرانيّ إلى انضمام أعضاء جدد إلى نادي الفاسدين. ولنا في كثير من وجوه «مطاوعة» الأخلاق اليوم ملامح لعاب يسيل شوقاً لذاك النادي. لا يدخل ذلك في باب محاكمة النيّات، بل في التأكيد أنّ الحيّز الاقتصادي ـــــ الاجتماعي قد تصيبه في أفضل الأحوال بعض الانعكاسات الجانبيّة. وما قد يكسبه الناس على صعيد تحسّن مستواهم المعيشيّ، سيخسرونه في ارتفاع مستوى عصبيّاتهم الطائفيّة وتوتّرهم العصبيّ. لكنّ الفيلم المكرّر لا يقتصر على جانب دون آخر. فالتعنّت المقابل ورفض تقديم تنازلات في مسائل قد تطيح هي الأخرى وحدة البلد، أو التمسّك بسياسات الهيمنة الطائفيّة والطبقيّة، تسهّل مهمّة الانقضاض على مبدأ حكومات التوافق في لحظات استثنائية كالتي نمرّ بها. ففي 1998، تماماً كما اليوم، لم يفعل الموالون لفريق الحريري سوى التهديد بالويل والثبور. فإن ترك الحريري السلطة، فسينهار الاقتصاد، سيختفي النموّ، ستنخفض قيمة الليرة، سيواجه لبنان غضب العرب والأجانب. ولم ينتبه حريريّو الأمس واليوم أنّ كلاماً كهذا يدين الحريريّة قبل سواها، إذ تروّج لصورتها كديكتاتوريّة مقنّعة تربط مصير البلاد بشخص، وكتيّار غير مسؤول وقد خرج من صفوفه أصلاً من يستعيد شعارات شمشونيّة: «عليّ وعلى أعدائي». إنّ أيّ استشارات نيابيّة تحدث في أجواء كهذه لا تستحقّ هذا الاسم. هي في أفضل الأحوال استشارات حول الطريقة المثلى للرحلة نحو الهاوية.
العدد ١٣٢٢ الاثنين ٢٤ كانون الثاني ٢٠١١ابراهيم الأمينالخلاصة الأولى من أسبوع الآلام الحكومي، هي أنّ سعد الحريري لم يعد صالحاً لتولّي مهمات رئاسة الحكومة. لم يعُد الرجل بقادر على جمع أصوات كافية محلياً، وهو يحتاج الى دعم كل الدنيا دونما نتيجة. والانقسام السياسي الداخلي أظهره محل تنازع جدي لم يسبق أن عاشته عائلة الحريري منذ بدء الرئيس المغدور رفيق الحريري نشاطه السياسي المباشر. حتى العصبية السنّية القائمة الآن، ليست مطابقة للعصبيّة الحريريّة. وما إن يخرج من هذه الطائفة من يرى أهلُها أنّه قادر على تولّي الزعامة، حتّى يعلنوا نهاية الإمبراطورية الأسرع انهياراً في تاريخ عائلات لبنان السياسيّة. وبناءً عليه، فإنّ كلّ الحملات القائمة الآن، أو التي سوف تقوم، من تلقاء نفسها أو المدفوعة الأجر أو خلافه، لن تنفع في إصلاح حال الرجل الذي خسر الفرصة التي لن تتكرّر.الخلاصة الثانية من هذا الأسبوع، هي أنّ الراعي السعودي لفريق 14 آذار اللبناني، دخل برجليه مرّةً جديدة في حقل ألغام انفجر فيه. ها هو يكرّر تجربة فلسطين التي جعلته بعيداً، وتجربة اليمن التي جعلته متضرّراً حابساً للأنفاس، وتجربة العراق التي جعلته بلا حَوْل إقليمي، وتجربة الإسلام الجهادي التي جعلته عدواً، وها هو سيخرج من لبنان ضعيفاً ذليلاً لا يقدر أحد على مدّه بالعون. وسوف يكتشف أن الأميركيين كما بقية الأوروبيين سوف يبحثون عن مصالحهم، حيث يمكن توافرها، سواء في سوريا أو إيران أو مع بقية المجموعات اللبنانية. وما هي إلا مسألة وقت حتى يتبيّن أن ما جرى اعتماده من سياسات إنما عبّر عن حسابات واهمة، لا عن حسابات واقعية.الخلاصة الثالثة، هي أن التجربة السياسية القائمة عرّت قوى 14 آذار المحلية. وبدت هذه الأخيرة فاقدة لكل أنواع المبادرة أو القوة، وما هي إلا أداة تنتظر من الخارج أن يوفر لها الحماية والدعم، وأنها لا تمثل في حقيقة الأمر إلا الوجه القذر من النظام السياسي الراغب في الاستيلاء على الدولة ومقدراتها. وسوف تجد هذه القوة نفسها في وقت قريب أمام جدران سميكة داخل طوائفها وداخل أطرها، ولن ينفع معها الصراخ أو العويل، كما لن ينفع استجداء الخارج، ولا يمكنها بعد عملية التزوير الكبيرة التي تورطت فيها، من الانتخابات إلى القضاء الى الحقيقة الى الاقتصاد، أن تجد وسيلة أخرى تبقيها على قيد الحياة. حتى نظرية بثّ الذعر والرعب في نفوس جمهورها أو بقية اللبنانيين لن تفيد في شيء. وسوف تبرز الفضيحة الكبرى المتمثّلة في أن هذه القوة لم تعد مصدر الحيوية الاقتصادية في البلد، ولا هي شريان الحياة المالي.الخلاصة الرابعة، هي أن الأقليات اللبنانية باتت تمثّل وحدها المظلّة لأيّ حكم سياسي. لم يعد النظام الطائفي قادراً على توفير الحصانة لأحد، ولم يعد للتاريخ وحكايات الأجداد ما يفيد في نفخ القدرات وانتزاع أدوار انتهت الى غير رجعة. وبات المشهد اليوم أكثر وضوحاً لأن مقاصّة متأخّرة للحرب الأهلية اللبنانية تجري الآن:ـــ يفقد الموارنة مواقع الحسم، وهم بين خيارَي الشراكة الكاملة على طريقة العماد ميشال عون، أو خيار التبعية والتسوّل كما هي حال مسيحيّي 14 آذار.ـــ يقف وليد جنبلاط يصرخ تارة «لا حول ولا قوة إلا بالله»، وطوراً «حسبي الله ونعم الوكيل»، ولا أحد يسمعه. عليه أن يدفع الأثمان مضاعفة. يفقد ثقة حلفاء ولا يكسب ثقة الآخرين، ولا يسعه قول أو فعل شيء آخر.ـــ يقترب جبل لبنان من مرحلة الانهيار الكامل لدولته الناجمة عن تقسيم طائفي قديم. وها هي الأقضية وجحافلها تستعد للإمساك الكلي بالدولة دون أن يكون لديها برنامج حقيقي لإدارة الدولة ومؤسساتها، وسط استمرار الهواجس التاريخية حول الحقوق والواجبات.ـــ يقف الخارج مقطّب الحاجبين. لا غضبه ينفع إن هو ترك لبنان وحده، لأنّ وباءه معدٍ وسريع الانتشار، ولا صراخه ينفع في تهدئة الجموع الغاضبة هنا، فيصير الهمّ الأبرز عند الخارج القريب، كما البعيد، اتّقاء شرّ الانفجار الكبير.الخلاصة الخامسة، هي أنه لا يمكن أحداً، لا في فريق المعارضة ولا في فريق 14 آذار، ادّعاء القدرة على إصلاح البلاد، وتغيير وجهها الطائفي المقيت. وجلّ ما يمكن هؤلاء قوله، هو أنه يمكن تغيير سياسات متّبعة من قبل ممثّلي الطوائف لجهة اعتماد سياسة رعاية جديدة بدل الخصخصة البشعة، أو لجهة تحرير بعض حقوق المواطنين المدنيّة بعيداً من الحسابات المذهبية الضيقة، أو اللجوء الى إجراءات تحدّ من حجم سرقة المال العام، وكبح جماح كبار المتموّلين وإلزامهم دفع المستحقّ عليهم في مواجهة أزمة البلد، بعدما واظبوا خلال عقدين على سرقة فائض الإنتاج المحلي، وتقف المصارف في مقدمة هؤلاء. ويمكن إعادة الاعتبار الى شرطة السير وبعض عمل القضاء العادي لمواجهة أمور الناس اليومية. لكن ليس بمقدور أحد الادّعاء أنه آن الأوان لقلب النظام. لا لأن الوقت لم يحن بعد، بل لأن طبيعة القوى القابضة على قرار الفريقين، هي أصل البلاء، وهي التي تحتاج الى علاج وإلى استئصال قبل أي شيء آخر.أما الخلاصة الأخيرة، التي لن تظهر نتائجها الآن، فهي تخصّ إسرائيل ومن خلفها الغرب ومن معها من عرب التآمر، لجهة أن الهدف المركزي في توجيه الضربة الى المقاومة، هو ضرب من الوهم، وهو أمر لا يتمّ على هذه الطريقة. وأكثر ما يمكن توقّعه هو أن تسارع إسرائيل الى تكثيف استعدادها لحرب لا تبدو قريبة.العدد ١٣٢٢ الاثنين ٢٤ كانون الثاني ٢٠١١