هديل فرفور - الاخبار
بعيدا من المقاربات التي تطرحها بعض الحملات المدنية والإعلام حول أهمية المجالات العامة المشتركة في المدينة، يقدّم المعماري رهيف فياض مقاربته المعمارية الاجتماعية حول المجال العام المديني. يرفض تسمية «المساحات العامة»، ذلك أن «المساحة» مصطلح هندسي صرف لا يستخدم في المدينة والعمارة. في المدينة، هناك مدى عام ومجال عام وحيّز عام.
ينطلق فياض من التسمية ليؤكد ان المدينة، ليست أبنية وجسورا هندسية، «هي جماعات تتلاقى في امكنة ومجالات عامة، تتفاعل في ما بينها من أجل الدفاع عن مصالح مشتركة»، فتكون المجالات العامة مركز التفاعل والتلاقي. «أين يصاغ الرأي العام؟ في الحدائق والساحات، امكنة التظاهرات والإضرابات».
البعد السياسي للحيز العام المديني
«التغيير السياسي لا يأتي من الأرياف، بل ينمو في قلب المدينة، كيف استطاعوا ان يحوّلوا قلب المدينة الى فراغ؟»، يشير فياض الى بيروت «التاريخية» (اي وسط المدينة)، التي سُلّمت الى «سوليدير». ويشرح كيف ان الأخيرة «محت الساحات والأسواق ولغتها من الثقافة ومن الذاكرة. استبدلتها بأبراج لا نعرف ساكنيها، وقتلت المجال العام، وطردت الفقراء وحولت بيروت الى مدينة للأغنياء». هل يمكن التظاهر امام ساحة «الزيتوناي باي مثلا؟»، المشروع الذي قام على انقاض خليج «مار جريس» بحجة اقامة ساحة للعموم، وهل يمكن ان يمارس اهل المدينة عملا سياسيا أو اجتماعيا حرّا في هذا «المرفق العام»؟ هل يكفي ان يكون الدخول اليه مجانا كي يسمى مكانا عاما؟ يرفض فياض تسمية «الزيتوناي» ويعدها تزويرا لهوية المكان، تماما كما يرفض اعتبارها ملكا عاما، بالنسبة إليه هي أقرب الى «اغتصاب ملك عام»، على اعتبار ان الملك العام، كما تدل تسميته، تكون ملكيته للعموم، يمارسون حقهم فيه بحرية تامة، ويشير الى ان هذا المعيار هو الذي يحكم تصنيف المكان. «املاكنا العامة، رُدمت تحت رصيف «الزيتوناي»، ردمت بأتربة البيوت السكنية المهدمة في عين المريسة فباتت ملكا لأشخاص معروفة خلفيتهم الطبقية، المارينا ليست لابن بيروت». من هنا، يشير فياض الى بقية الأماكن العامة التي قتلها الرأسمال والسلطة بهدف حجب الناس عنها استكمالا لعملية طردهم من المدينة.
يقول فياض ان عملية «الطرد» بدأت مع قانون البناء وأزمة السكن والاقتصاد الريعي والمضاربات أولا، قبل ان تنتقل الى معركة الحيز المديني والصراع عليه. أمّا الهدف فهو تمزيق المدينة وتحويلها الى مجموعات مستقلة. يلفت فياض الى أن التطوير، الذي شهدته المدينة لتسهيل عبور السيارات، حوّل المدينة الى اماكن للعبور، وجعلها تختنق اجتماعيا وحولها الى احياء ممزقة، «عند كل مناسبة، نجدهم يتغنون بأنهم تمكنوا من شق طريق من اماكن الفنادق في وسط بيروت الى المطار على نحو لا يتطلب اكثر من سبع دقائق بالسيارة، لكنهم أغفلوا تمزيق الاحياء وبعثرتها».
تغير الهوية تجانساً مع الرأسمال
«حرش بيروت هو حرش العيد، لا بارك غربي، شوهوا طابعه وهويته الهندسية، هو افقي ورملي، زرع فيه الصنوبر كي يقي المدينة هجوم الرمال الآتية من جنوب غرب المدينة، هو حامي بيروت من الرمال لا بارك!»، يكرر فياض ويعيد: «هو امتداد اساسي للمدينة، قتل «الحرش» جريمة، هذا تغيير هوية، ويشبه ما فعلته الكولونيالية عندما عمدت الى تحويل بيروت الى مدينة غربية. هو قتل لروح المدينة، مثلما حصل في وسط بيروت». يرى المعماري المخضرم أن ما حصل «لحرش» الصنوبر، جريمة مزدوجة، جرى تشويهه وتغيير طبيعته الحرجية اولا، ثم حرموا العموم استخدامه، لافتا الى أن «حرش» العيد هو اهم مجال عام للمدينة، واقفاله امام العموم يمثل انتهاكا لحق مكتسب. انتقاد فياض لتغيير هوية الحرج، ينطلق من المفهوم القائم في معظم المشاريع «الإنمائية» والأعمال «التأهيلية» للاماكن العامة وغيرها حول نقل «المفهوم الغربي اليها». «لم نعد نجد مشروعا لا يرافقه ميوزيك بارك ولا حدائق ايكولوجية ولا مواقف باركينغ ضخمة، نحن مقلدون بصورة سيئة للغرب، فيما المطلوب ان ندرك من نحن، وما الذي يعبر عن هويتنا وما يشبهنا».
بيروت طاردة للسكان
يشدد فياض على أن بيروت باتت مدينة طاردة لسكانها، وجاذبة للمستثمرين، إقصاء الفقراء فيها ابتدأ مع ازمة السكن، وبالتالي ما يجري في ملف الحيز العام «هو نوع من التجانس بين طبيعة المدينة الحالية وما تحويه من رأسماليين ومع طبيعة الحيز العام الذي سترتاده هذه الفئة حصرا»، الا ان فياض يستطرد: «الاغنياء لا يصنعوا مدنا، لانهم لا يخرجوا من منازلهم، يركبون سياراتهم ويتجهون الى مصاعد أبراجهم دون ان يمروا بالمدينة. الفقراء والناس العاديون هم من يسكنون ويصنعون المدن». ويضيف في هذا الصدد: «ان اسوأ ما حصل للمدينة هو انهم انشأوا ضاحية للأغنياء (وسط البلد)، هذه الضاحية فارغة وستبقى فارغة». وبخلاف ما يُشاع: «حارة حريك وبرج البراجنة والباشورة هي المدن، فيما الضاحية الوحيدة هي وسط بيروت».
بيروت لم تعد مدينة
يقول المعماري رهيف فياض إن بيروت لم تعد مدينة، «هي مجموعة جماعات مستقلة عن بعضها بعضا، ان وجود المجالات العامة في المدينة هو احد اهم معايير جودة الحياة فيها، بيروت لا تمتلك هذه المجالات، وبالتالي تفتقر الى شروط جودة الحياة»، لافتا الى «ان استرجاع الروح المدينية، يكون عبر استرجاع المجالات العامة فيها». ويضيف: «علينا، أولا، ان نتثقف أننا حرمنا ذاكرة المدينة، نحكي عن اغتيالات المجالات العامة السابقة، ان نقول ان المدينة قتلت، وهناك من عمل على عدم وجودها»!
محمد همدر - الاخبار
ضمن «مهرجان الفيلم العربي القصير»، عرض «نادي لكلّ الناس» أخيراً شريط «الهمّة قوية» (17د) لناتالي ربيز (الجامعة اليسوعية IESAV). يصوّر الوثائقي القصير معاناة أمّ وزوجة، كان عليها تحمّل تبعات التزام زوجها السياسي واختيار ابنتها النضال من أجل قضيتها. تعود ربيز إلى عملية سهى بشارة عام 1988، من وجهة نظر والدتها نجاة. تشارك سهى في رواية ما جرى، لكن للأم قصة مختلفة. تعترف أنها كوالدة لم تسرّ حين سمعت بحدوث العملية. حينها اقتحم الإسرائيليون المنزل واعتقلوها في «معتقل الخيام» من دون أن تتمكن من رؤية ابنتها.
تدخل الكاميرا مع سهى ووالدتها الى ما تبقى من المعتقل لا لتذكر بطولة العملية، بل لتنكأ جرح الأم الذي سببه غياب سهى المعتقلة لعشر سنوات. تتذكر الوالدة تلك الفترة بحسرة ودموع، أما سهى فتبدو أكثر إصراراً: «المسؤول الأول هو الإسرائيلي الذي احتل ارضنا عام 1948». الوالد أبو عدنان (فوّاز بشارة) يردّ على أسئلة ناتالي باقتضاب، لا يميل إلى النقاش أو الرد على عتب زوجته، ما الذي جناه من سنوات النضال في الحزب الشيوعي؟ لم يكلّف الرفاق أنفسهم حتى بالاتصال حين دخل المستشفى. يظهر على فواز بشارة تعب التقدم في السنّ، إلا أنه يبتسم حين تطلب منه الحديث عن عملية سهى، ليعترف دامعاً بأن للمجهود الذي بذلته نجاة، الفضل الأكبر في تحرير ابنتهما. رصدت ناتالي العلاقة بين الشخصيات الثلاث في منزلهم الأول في قرية دير ميماس. تنقلت الكاميرا بين الوجوه الثلاثة وبين أجوبتهم. في الظاهر تبدو نجاة الأقوى والأكثر حضوراً في أرجاء المنزل، لكنها تبقى الأكثر تأثراً بما جرى. ربيز التي تخرج عملها الوثائقي الأول، تطرح أسئلة عادية في البداية، «من هي سهى بشارة؟ ماذا فعلت؟»، تحاول هزّ تلك الأشجار الضخمة الصامتة، لتحصل على أجوبتها، قبل الدخول في المواضيع الأكثر عمقاً. المفارقة الأخرى، التي تكشف عنها المخرجة لاحقاً، أنها كانت أنها تحاور جدّيها. ناتالي ابنة شقيقة سهى بشارة، شاهدة قريبة على ذلك الألم الذي يبدو انه لم ينته بخروج سهى من المعتقل عام 1998. هذا واضح حين تحاول المخرجة تهدئة جدتها التي تتذكر يوم تحرير سهى بدموع. تقول ناتالي لـ «الأخبار» إنها في البداية أرادت صنع فيلم عن جدتها نجاة، الوحيدة التي لم تعبر عن ما جرى معها، فيما نشرت سهى ووالدها تجربتيهما. نجاة كانت دائماً تبكي وتحكي لحفيدتها مأساتها، من دون أن تفهم هذه الأخيرة شيئاً، إلى أن قررت أن تفهم أكثر من خلال الفيلم.
كمال هاني - الاخبار
تكثر وثائق الحزب (الشيوعي اللبناني) المتعاقبة في الحديث عن الطبقة العاملة في لبنان، ولكن هذه الوثائق لا تقدم إجابات محددة عن عدد كبير من الاسئلة الحيوية التي تتعلق بواقع هذه الطبقة وسماتها الاساسية وبنقاط قوتها وضعفها. وتخلف هذه الفجوة انعكاسات سلبية على مسألة التحالفات الطبقية وعلى نمط مقاربة الحزب للمعارك المطلبية الجزئية والوطنية. وهذا يستدعي الانكباب على دراسة هذا الموضوع، ومحاولة تقديم اجابات عن العديد من الاسئلة المطروحة، ومن بينها:
1ــ حول تعريف المفهوم:
كيف نحدد بشكل ملموس مفهوم الطبقة العاملة في الاطار اللبناني، ارتباطاً بجوهر منهج التحليل الماركسي وما طرأ عليه من تحولات؟ هل يقتصر هذا المفهوم على فئة العاملين بأجر في قطاعات الانتاج المختلفة، او هو يتضمن فئات اجتماعية أخرى غير معنية بصورة مباشرة بالعمل المأجور؟ وهل لذلك المفهوم من مندرجات ذات خصوصية في بلد يغطي فيه قطاع الخدمات اكثر من 70 في المئة من مجموع القوى العاملة ومن اجمالي الناتج المحلي؟ وماذا يعني ان تكون الغلبة (غلبة الكمية أقله) في تكوين الطبقة العاملة معقودة اللواء لفئة الاجراء العاملين في المؤسسات الخدمية والمؤسسات الصغيرة والمتناهية الصغر، وليس في مؤسسات الانتاج المتوسطة والكبيرة؟ ب ــ حول الوزن النسبي العام للطبقة العاملة: ما هو الوزن النسبي للطبقة العاملة عموماً في التشكيلة الاجتماعية اللبنانية؟ وما هي اهم العوامل الاقتصادية والاجتماعية التي تحدد هذا الوزن النسبي وتتحكم في اتجاهه ارتفاعاً أو انخفاضاً؟ وما هو تأثير الارتفاع المطرد والقياسي المحقق خلال العقود الثلاثة المنصرمة في نسبة العاملين لحسابهم الخاص (أي العاملين المستقلين)، على حجم الطبقة العاملة ودورها؟ والى اي حد يمكن اعتبار هذه الفئة من العاملين التي تشكل نحو 30% من اجمالي القوى العاملة ـ او اقسام منها أقله ـ اقرب الى التماثل في شروط عملها مع الطبقة العاملة؟ ج ــ حول المكونات القطاعية والمكانية الاساسية للطبقة العاملة: ما هي المكونات القطاعية الاساسية للطبقة العاملة اللبنانية، اي ما هو الحجم النسبي لكل من هذه المكونات بحسب قطاعات النشاط الاقتصادي (الصناعة، الزراعة، البناء، الفروع المختلفة من قطاع الخدمات)؟ ثم كيف تتوزع هذه الطبقة على المناطق اللبنانية المختلفة، وبالتحديد على مستوى المحافظات، بحيث يؤخذ ذلك في الاعتبار في تحديد اولويات عمل الحزب ومنظماته القاعدية بحسب المناطق المختلفة؟ وما هي اهم خصائص التقاطع في تشكل هذه الطبقة، بين البعد القطاعي والبعد الجغرافي؟ ومن زاوية أخرى، كيف يتوزع العاملون الاجراء بحسب القطاع الحكومي والقطاع الخاص النظامي والقطاع الخاص غير النظامي؟
ما هو الوزن النسبي للطبقة العاملة عموماً في التشكيلة الاجتماعية اللبنانية؟ د ــ حول مكامن وجود «القوة الضاربة» للطبقة العاملة: انطلاقاً مما سبق، أين تتركز «القوة الضاربة» للطبقة العاملة، وبخاصة في ضوء توزع خريطة العمال والاجراء بحسب فئات حجم المؤسسات (المؤسسات المتناهية الصغير والمؤسسات الصغيرة التي يقل عدد العاملين فيها عن 10 عمال والمؤسسات المتوسطة والكبيرة التي يزيد فيها عدد العاملين عن هذا الحد)، وبالتحديد اين تتركز المؤسسات المتوسطة والكبيرة، خصوصاً في المجال الصناعي، والى اي حد يمكن استهداف تلك «القوة الضاربة» عبر خطة عمل تمكن منظمات الحزب وقطاعه النقابي من زيادة وزنهما ودورهما في هذا المضمار المؤثر؟ هـ ــ حول بنية موظفي الدولة وأجرائها: كيف يتوزع العاملون في القطاع العام، بحسب موظفي الملاك، والمتعاقدين، والأجراء، والمياومين، وصيغ العمل الأخرى الهجينة التي لازمت تطور هذا القطاع بفعل «التفاهمات الفوقية» بين اطراف الطبقة المسيطرة؟ وما هي أبرز المشاكل العامة والخاصة التي تعترض كلاً من هذه الفئات (مستوى الأجر، ديمومة العمل، حجم التقديمات ونوعها، صيغ التقاعد وتعويضات نهاية الخدمة...)؟ والى اي حد يمكن تنظيم حملات مطلبية في صفوف كل من هذه الفئات العاملة وخوضها استجابة لهدفين يجب ان يبقيا متلازمين: هدف الدفاع عن حقوق العاملين عموماً من جهة، وهدف رفع مستوى أداء وفعالية الوظيفة العامة وتحسين صورتها امام المواطنين من جهة ثانية؟ وــ حول التباينات الموضوعية في شروط عمل مكونات الطبقة العاملة: الى اي درجة تتقارب ـ أو تتباعد ـ خصائص وشروط العمل المميزة لكل من المكونات الاساسية للطبقة العاملة، التي تشمل اجراء القطاع العام من جهة، واجراء القطاع الخاص النظامي من جهة ثانية، واجراء القطاع الخاص غير النظامي من جهة ثالثة، لجهة: مستوى الاجر الوسطي، ومستوى التقديمات الصحية والاجتماعية، ومدى ضمان ديمومة العمل، ومدى الاستفادة من تأمينات التقاعد وتعويضات نهاية الخدمة، ومدى الاستفادة من بدلات النقل وغير ذلك من شروط؟ وكيف ينبغي النظر الى المخاطر الناجمة من ازدياد الفجوة والتباينات بين مسارات هذه المكونات المختلفة؟ زــ حول مدى تأثير هذه التباينات على انسجام العلاقة بين تلك المكونات. الى اي حد يمكن انطلاقاً مما أمكن تجميعه من معطيات محددة بشأن واقع البنية الداخلية للطبقة العاملة في لبنان، تبيان ما إذا كانت هذه البنية أقرب الى التجانس والانسجاب النسبيين، اما ان التفاوتات التي تعتمل داخلها ترتدي الطابع البنيوي، الحاد؟ وما هي الاستنتاجات التي يتفرض استخلاصها في كل هاتين الحالتين وأثرها في وجهة النضالات المطلبية التي تطلقها أو تشارك في اطلاقها القوى اليسارية؟ ما هي المقاربات والتوجهات التي من شأنها تعزيز عوامل التقارب والانسجام على حساب عوامل التباعد والانقسام؟ ح ــ حول ظاهرة اللبنانيين وانعكاساتها على الطبقة العاملة: كيف انعكست هجرة مئات الألوف من الشباب اللبنانيين والكفاءات الى الخارج، على اوضاع العمال والأجراء وخصائصهم في لبنان، وعلى بيئة العمل المأجور وشروطه عموماً؟ ألم تؤثر هذه الهجرة سلباً في الخصائص البنيوية الكمية والنوعية للطبقة العاملة، وعلى السقف الموضوعي لنضالاتها المطلبية اضافة الى تأثيرها السلبي على مقومات العمل النقابي عموماً؟ ألم تؤدِّ التحويلات الوافدة من العاملين في الخارج الى «ترويض» جزء من أسر الأجراء المقيمين في لبنان، ما ساهم في تغييبها عن ساحات النضال المطلبي؟ ألم يخفف هذا النزف البشري من حجم الضغط المنظم ونوعه الذي كان يمكن أن تمارسه هذه الكفاءات الشبابية المهاجرة ـ لو اتيح لها ان تنخرط في سوق العمل الداخلي ـ على الطبقة الحاكمة في لبنان، تجاه الزام هذه الاخيرة بحد ادنى من الاصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية؟ ط ــ حول أثر هجرات اليد العاملة الاجنبية الى لبنان: ما هو حجم ونوع الانعكاسات على الطبقة العاملة اللبنانية جراء تزايد تدفقات العمالة الاجنبية الرخيصة الى لبنان؟ ألا يشكل هؤلاء العمال من الناحية المبدئية جزءاً لا يتجزأ من الطبقة العاملة في لبنان؟ وفي هذه الحالة أليست لهذا الواقع مندرجات كان يفترض بالقوى اليسارية التعامل معها من موقعها الطبيعي بصورة اكثر جدية، في ضوء التجارب التي خاضتها الحركة النقابية العمالية على هذا الصعيد في البلدان التي استقبلت وتستقبل عمالاً وافدين أجانب (فرنسا مثلاً)؟ من جهة اخرى، ما هي النسبة من بطالة العمال اللبنانيين التي قد تعود الى تدفقات العمالة الاجنبية، ونسبة الخفض الفعلي في اجور العمال اللبنانيين غير المهرة الذين يتعرضون للمنافسة المباشرة من قبل هؤلاء العمال الوافدين؟ وكيف يمكن لليسار، وبخاصة الحزب الشيوعي، الحد من هذا النوع من الخسائر من دون المساس بمصالح العمال غير اللبنانيين؟ ي ــ حول واقع العلاقة بين الطبقة العاملة والحركة النقابية: كيف يمكن توصيف واقع العلاقة بين الطبقة العاملة والحركة النقابية في الاطار اللبناني الملموس؟ كيف ولماذا تتفاوت نسب الانتساب الى النقابات ووتيرة التحركات الاضرابية، بحسب قطاعات النشاط الاقتصادي الاساسية، بما في ذلك المؤسسات العامة وشبه العامة؟ وما هو الموقع النسبي للعمال الشباب في حركة الانتساب الى النقابات والى العمل النقابي؟ وما هو الدور الفعلي للمرأة اللبنانية في حركة الانتساب الى النقابات وفي العمل النقابي عموماً، والى اي حد يتناسب هذا الدور مع وزنها النسبي في القوى العاملة؟ وما هي اهم المعاني والابعاد المتأتية عن هذا التفاوت الجندري المؤثر في زخم الصراع الاجتماعي؟ وما هو السبيل الى بلورة خريطة طريق واضحة المعالم تتيح اعادة تجديد دور الحزب في معركة النهوض بالعمل النقابي عموماً، عبر تجميع القوى لفرض قانون عمل جديد وهيكلية نقابية عصرية؟ ك ــ حول قدرة الحزب على بلورة خريطة طريق واضحة المعالمة في تعاطيه مع القضايا التي تعني الطبقة العاملة: كيف يمكن للحزب الشيوعي ـ مع امتلاكه للبعض الاساسي من الاجابات عن الاسئلة المطروحة اعلاه ـ ان يصوغ بروح علمية ووضوح برنامج عمله في صفوف مختلفة مكونات الطبقة العاملة؟ وكيف ينجح بالتحديد في التوفيق بين مصالح هذه المكونات المختلفة مع السعي قدر المستطاع الى عدم التمييز بينها، وعدم الاكتفاء بالدفاع عن مصالح مكونات بعينها دون المكونات الاخرى؟ وكيف يمكنه المساهمة بفعالية في انتزاع الشروط المثلى للعمل المأجور على الجبهات كافة وصولاً الى فرض عملية تحسين في ميزان القوى بين رأس المال والطبقة العاملة عموماً؟
2 ــ حول نظام التمثيل السياسي ـ الطائفي في لبنان
اكدت حقبة ما بعد اتفاق الطائف ـ بحسب ما تم ذكره اعلاه ـ الارتفاع الاستثنائي في حجم التوظيف السياسي للظاهرة الطائفية وارتداداتها المعقدة على مختلف ساحات الحياة العامة، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وبخاصة على مضمون ومسار عملية التمثيل السياسي في البلاد. وتجلى الوجه الآخر لتفاقم هذا التوظيف المقصود، تراجعاً في مستوى وعي الناس (بصفتهم مواطنين) لحقوقهم ومصالحهم الفعلية والمباشرة في تلك الساحات كافة، في مقابل ترسخ خضوعهم، واخضاعهم من قبل الزعامات الطائفية والطبقية، للعصبيات والانتماءات الضيقة وما دون الوطنية، التي كرست وتكرس تبعيتهم المطلقة لتلك الزعامات. وبالرغم من ان نضالات مطلبية كثيرة ـ بما فيها نضالات شاركت فيها مروحة واسعة من القوى ذات القاعدة الاجتماعية العريضة ـ قد انتهت الى انتزاع مكاسب اجتماعية مهمة نسبياً خلال السنوات الاخيرة، الا ان هذه النضالات المطلبية لم تنجح في فتح كوة في جدار النظام السياسي ـ الطائفي المسيطر. فقد امتلك هذا النظام معظم الاحياء القدرة على تفريغ تلك النضالات من مضامينها السياسية، وعلى اعادة ضبط ايقاعها ضمن منظمة المصالح الضيقة الخاصة بالتوازنات السياسية والطبقية الداخلية التي يقوم عليها هذا النظام. وهذا ما اتاح للنظام اعادة انتاج نفسه بصورة شبه دائمة والحؤول دون القيام باصلاحات سياسية جدية وقابلة للحياة. وفي الحالات القليلة التي انتزعت فيها مثل هذه الاصلاحات، فإن النظام لم يتردد في العمل على افراغها من محتواها الايجابي كلما سنحت له الظروف. وهذا ينطبق على السقوط العلمي لمحاولة الاصلاح الاداري التي خاضها الرئيس فؤاد شهاب في الستينيات (انشاء المصرف المركزي ووزارة التصميم وهيئات التفتيش المركزي والخدمة المدنية وعدد من المؤسسات العامة الاخرى). كما ينطبق على الوضع المرير واليائس الذي انتهى اليه واقع التعليم الرسمي والجامعة اللبنانية بعد عقود من انطلاقهما، مع العلم ان هذين الصرحين اضطلعا ذات يوم بدور مهم في تعزيز صفوف الطبقتين الفقيرة والوسطى على حساب ما وصفه الرئيس شهاب نفسه آنذاك، «طبقة الاربعة في المئة». ان هذا الواقع يطرح اشكالية العلاقة بين النضال الاجتماعي (والطبقي) من جهة، وسيرورة النضال السياسي والديمقراطي من جهة ثانية، اي القدرة على تحقيق مكاسب وانجازات مطلبية ومن ثم ترجمتها الى اصلاحات سياسية وديمقراطية مباشرة. ان ايجابية هذا التزامن التي بدت قوية في تجربة البلدان الرأسمالية المتقدمة، لم تكتسب هذا القدر من القوة في الحالة اللبنانية، وذلك لأسباب عديدة، اهمها التوظيف السياسي للظاهرة الطائفية، الذي شوه آليات التمثيل السياسي عبر تحويله «جماهير الطوائف» الى احتياط محكوم بالتبعية لزعامات النظامي الطبقي والطائفي القائم. أ ــ حول مخاطر المقاربة التبسيطية للمسألة الطائفية: الى اي مدى يجوز اختزال الظاهرة الطائفية عبر اعتبارها، فقط، جزءاً من البناء الفوقي للمجتمع الرأسمالي، او عبر تفسيرها انطلاقاً من طرح فكري صارم يراد له ان يكون طرحاً طبقياً، فيما هو لا يخلو من جمود وتعسف فكري، عبر ميله ـ عن قصد أو عن غير قصد ـ نحو التبني الضمني لمقولة «الطبقة ـ الطائفية»؟ وهل يصمد مثل هذا التحليل التبسيطي امام الجذور العميقة لهذه الظاهرة وتوظيفاتها السياسية المتعددة وانسحاب مفاعليها بشكل حثيث على جميع مناحي الحياة اليومية في البلاد، بدءاً من ادارة الشأن العام والمرافق والوظيفة العامة، والتعليم والثقافة والاعلام، ومروراً بخدمات الصحة وانماط الحماية الاجتماعية السائدة، وصولاً بشكل خاص الى الآليات الاساسية الناظمة لسوق العمل وسوق السكن؟ حول أولويات التصدي لهذه الظاهرة: هل يتم هذا التصدي لهذه الظاهرة دفعة واحدة وعلى الجبهات كافة، الاساسية والفرعية، المتصلة بعوامل تلك الظاهرة المعقدة وجذورها المتشعبة، أم يصار الى التركيز على اولويات محورية ومحددة ضمنها؟ أليس إسقاط نظام التمثيل السياسي الطائفي هو بالتحديد الذي ينبغي أن يحتل الموقع الأول في تلك الأولويات، وأن تسخر له كل الجهود (الفعلية وليس الخطابية فقط) من قبل أحزاب اليسار، وفي طليعتها الحزب الشيوعي؟ إذا كان ذلك كذلك، أي قانون تمثيل نيابي هو الاكثر تناسباً مع متطلبات تفكيك واضعاف آليات الظاهرة الطائفية في لبنان، بعدما توافقت كل اطراف الطبقة السياسية اللبنانية خلال العقدين المنصرمين على تطبيق العديد من قوانين الانتخاب القائمة على المبدأ الاكثري، بدعم وتشجيع من «اللاعب» العربي (السوري والسعودي اساساً) وللاعب الدولي (لا سيما الاميركي والاوروبي)، الساعين دوماً الى ضمان اعادة انتاج التوازنات الهشة بين الزعامات الطائفية والطبقية اللبنانية المختلفة؟ ج ــ حول امكان تمرحل معالجة الظاهرة الطائفية عبر التدرج في قوانين التمثيل: ان اختلال مجمل قوانين التمثيل القائمة على المبدأ الاكثري ـ والتي لم تفعل سوى تدعيم الظاهرة الطائفية وتوظيفها السياسي المختلف ـ قد دفع القوى اليسارية والديمقراطية اللبنانية عموماً، اضافة الى خليط من القوى السياسية الاخرى، الى تبني الشعار العام المؤيد للنظام الانتخابي القائم على النسبية. ولكن لماذا لم يجر تحويل هذا الشعار العام الى خريطة طريق تنفيذية تستقطب فعلياً جمهور اليسار والقوى الاجتاعية الطامحة نحو الانعتاق من الطائفية؟ ولماذا لم تتم بصورة مفصلة دراسة التطبيقات المختلفة لهذا الشعار، مع الاخذ في الاعتبار تنوعها وتفاوت نتائجها تبعاً لنظام الدوائر المعتمد (دوائر متعددة او دائرة وطنية واحدة)؟ ألم يكن التنوع الشديد في مضمون هذه التطبيقات في البلدان التي اعتمدتها النسبية، يقتضي من اليساريين اللبنانيين إجراء اختباراتهم الخاصة على هذه الطرق المختلفة، والمفاضلة بينها استناداً الى الشروط اللبنانية الملموسة، بغية توسيع مروحة الخيارات الممكنة والوصول بالتالي الى مشروع جامع ينتزع تحقيق صحة التمثيل وشموليته ويعزز استقطاب الناخبين، وبخاصة غير الطائفيين منهم؟ د ــ حول العلاقة بين قوانين التمثيل وتوازنات القوى القائمة: ان رفع شعار التمثيل النسبي خارج القيد الطائفي في لبنان دائرة واحدة، هو شعار استراتيجي صحيح من حيث المبدأ، وقد أجمعت عليه العديد من القوى اليسارية والمدنية العلمانية. ولكن ألا يبدو ضرورياً ـ بالنسبة الى احزاب اليسار وبخاصة الحزب الشيوعي ـ التحضير (أقله في منابرها الداخلية) لخيارات مرحلية ـ ذات صلة ـ تمهد أو تهيئ تدريجياً لوضع هذا الشعار الاستراتيجي موضع التنفيذ، متى ما توافرت ونضجت التوازنات الطبقية والسياسية التي تسمح بذلك؟ فإلى اي حد تمكن المراهنة على الاكتفاء برفع هذا الشعار الاستراتيجي (الصحيح مبدئياً)، في الوقت الذي لا تسمح بتحقيقه لا الشروط الذاتية (الاوضاع المأزومة للاحزاب والقوى اليسارية والعلمانية) ولا الشروط الموضوعية (الانقسام والتشظي الطائفيان المستحكمان بالمجتمع اللبناني وفي المنطقة)؟ هـ ــ حول امثلة محددة عن امكان اعتماد معالجات متدرجة: اذا كان الهدف الاساسي في المدى المتوسط والبعيد هو كسر حلقات النظام السياسي الطائفي، الا تتيح بعض الخيارات المرحلية وذات الصلة ـ اذا ما تم وضعها موضع التنفيذ ـ بتحقيق بعض المقومات الاساسية لهذا الهدف الاستراتيجي؟ الا يندرج ضمن تلك الخيارات المرحلية مثلاً انتزاع قانون يقرّ تنظيم مفهوم الاقامة استناداً الى معايير موضوعية وشفافة، ما يوجه ضربة قوية لآليات التعامل مع «جماهير الطوائف» كاحتياط تابع، عبر استمرار اخضاعها لأماكن تسجيلها (في سجلات النفوس)، بدلاً من التعامل معها على اساس مشروع قانون الاقامة المقترح؟ ألا يصب في الاتجاه ذاته فرض تطبيق قانون للاحوال الشخصية، ما يقوض جزءاً مهماً من سلطة المؤسسات والزعامات الدينية والطائفية ومن قدرتها ـ عبر علاقتها الممأسسة بالدولة ـ على التحكم برقاب العباد؟ الا تستدعي مثل هذه المشاريع المزيد من الجهد والتحليل والربط، كي تصبح ادارة اساسية اضافية من ادوات نضال الشيوعيين والقوى الديمقراطية والمدنية؟ أليس هذا التدرج في انتزاع المكاسب ـ تبعاً لتطور موازين القوى ـ هو الذي يتيح مع الزمن استنهاض كتل اجتماعية وسياسية تاريخية مستعدة لخوض النضالات المنتظمة بهدف كسر التوظيف السياسي للطائفية، الذي تدفع ثمنه «جماهير» الطوائف نفسها؟
* (فصل من كتاب اليسار اللبناني في زمن التحولات العاصفة ـ الحزب الشيوعي: تفاقم للأزمة... أم انفتاح على التغيير؟، دار الفارابي، نيسان 2015)
غسان ديبة - الاخبار
«حطموا الباب وستنهار البنية العفنة كلها» أدولف هتلر
بعد انهيار الاتحاد السوفياتي في 1991 تم الحكم بشكل متسرع على الاقتصاد الاشتراكي وعلى اساليب التخطيط المركزي التي اعتمدت في الاتحاد السوفياتي منذ 1928 وفي الكثير من البلدان الاشتراكية بعد الحرب العالمية الثانية. تم اعلان ان الراسمالية بشكلها الاكثر تطرفاً هي النموذج الامثل لتحقيق الرفاه الاجتماعي والتوزيع الاكفأ للموارد الاقتصادية.
مرت حوالى 25 سنة على هذا الحدث وبعد الازمة الراسمالية في 2008 وارهاصاتها، حيث في اوروبا اليوم في بلدان مثل اليونان واسبانيا، يجد واحد من كل شابين نفسه عاطلاً عن العمل في ما سمي بالجيل الضائع، ويرزح اكثرية الناس تحت وطأة الديون في ظل مداخيل تكسد او حتى تنخفض. لا بد من قراءة اكثر واقعية للتجربة الاشتراكية خصوصاً في الاتحاد السوفياتي. وسأركز هنا على ما قبل وخلال الحرب العالمية الثانية التي برهنت على المقدرة العالية للاقتصاد السوفياتي والمجتمع الاشتراكي. بعد الثورة البلشفية في 1917 لم تكن هناك اية نظرية او نموذج محدد للاقتصاد الاشتراكي يمكن ان يبنى عليه ما عدا ملامح عامة عن ملكية الدولة والقضاء على الملكية الخاصة. بالاضافة الى ذلك فقد حكمت ظروف الحرب الاهلية تطبيق ما سمي بـ»شيوعية الحرب» وبعد ذلك وبسبب النتائج السلبية لهذه السياسة وللحرب نفسها تم تطبيق سياسة النيب (NEP) او السياسة الاقتصادية الجديدة التي اعطت حيزاً كبيراً للقطاع الخاص والاسواق، ما اعتبره البعض تراجعاً عن اهداف الثورة، فيما اعتبره الحزب البلشفي حاجة موضوعية للنهوض الاقتصادي. ودار في اوساط الحزب آنذاك نقاشات عرفت بـ»نقاشات التصنيع»، وكان طرفاها يسار الحزب المتمثل بتروتسكي والمنظر الاقتصادي بريوبرجينسكي من جهة ومن جهة أخرى الخط الذي مثله ستالين وبوخارين. اليسار أراد الانتقال الى التصنيع السريع تحت عنوان «التراكم الاشتراكي الاولي» ذلك عبر نقل القيمة من الريف والزراعة والفلاحين الى المدن والصناعة والبروليتاريا الناشئة.
لا بد من قراءة اكثر واقعية للتجربة الاشتراكية خصوصاً في الاتحاد السوفياتي اما الخط الاخر، وحرصاً على تحالف العمال والفلاحين ولمعرفته بالكلفة الانسانية والسياسية العالية لسياسة اقتصادية كهذه، أراد الانتقال الى الاشتراكية ببطء «على عربة الفلاحين» كما لخصها بوخارين نفسه. لاحقاً عندما تم القضاء على مجموعة تروتسكي تبنى ستالين بعد ابعاد بوخارين مقولات اليسار الاقتصادية واخرج تكنوقراطيي هذا التيار من السجون والمنافي وعلى رأسهم بريوبرجنسكي. انتج هذا التحول البدء باتباع سياسات التخطيط المركزي لادارة الاقتصاد الاشتراكي بدءاً بالخطة الخمسية الاولى في 1928. عندما هاجمت المانيا الاتحاد السوفياتي في 1941 كان الاقتصاد السوفياتي في اخر مراحل الخطة الخمسية الثالثة. توقعت الاكثرية حول العالم أن الاتحاد السوفياتي سيهزم كباقي الدول التي اكتسحها الجيش النازي المتفوق منذ 1939، والاهم اعتقد الكثيرون ان الاقتصاد السوفياتي سينهار كما حصل في روسيا القيصرية خلال الحرب العالمية الاولى. ولكن الاقتصاد السوفياتي لم يصمد فقط بل برهن تفوقه على الاقتصاد الالماني في تحويل الموارد الى الاقتصاد الحربي وكان ذلك العامل الحاسم في الحرب، فكما قال مارك هاريسون: «ان الاقتصاد في النهاية هو الذي حدد النتيجة» ولم يكن ذلك التفوق ناتجاً فقط عن «الكم» كما يعتقد البعض بل أيضاً في الكفاءة الاقتصادية، اذ انه بحسب تشارلز ونشستر «ان التفوق الكمي للجيش الاحمر كان بأكثره في الاعداد المتفوقة للدبابات والطائرات وقطع المدفعية. وهذا حصل ليس لأن الاتحاد السوفياتي كان يمتلك موارد اقتصادية اكبر بل لأن اقتصاده الحربي ادير بشكل افضل مما في المانيا»، وهذا امر يعتد به خصوصاً اننا نعرف المقدرة الالمانية الهائلة في الادارة والكفاءة. ففي عام 1942 كان الناتج السوفياتي يبلغ 70% من الناتج الألماني. ان سياسات التخطيط المركزي نقلت الاتحاد السوفياتي في مرحلة قصيرة جداً بين 1928 و1940 الى دولة تستطيع ان تنتج كماً هائلاً من الآلات العسكرية، كما انها كانت فعالة في حشد وإدارة الموارد الاقتصادية بشكل غير مسبوق. ومقارنة سريعة لبعض الارقام تعطينا حجم التغيير الهائل الذي حصل في تلك الفترة. فبين 1928 و1940 ازداد الناتج 5 مرات والانتاج ألصناعي 6 مرات وانتاج وساِئل الانتاج 10 مرات. كما تم تطبيق نظم الانتاج الضخم بينما كان الألمان متأخرين عن السوفيات في هذا المجال. وقد أتاح هذا النظام الانتاجي للسوفيات أن ينتجوا نماذج قليلة من الآلات العسكرية ولكن بكميات أكبر ومثال على ذلك دبابة أل ت-34 التي شكلت ثلاثة أرباع الدبابات السوفياتية في الحرب. كما أن التحول للاشتراكية جعل الشعب السوفياتي يتقبل الانخفاض الهائل للاستهلاك بحوالى 30% في 1942 و 1943. كما أن التحول الاجتماعي دفع بمليوني امراة الى الخدمة في القوات المسلحة وشكلن اكثرية الطواقم الطبية. عندما تواجه الجيشان الاحمر والنازي في المدن السوفياتية وفي السهوب الشاسعة للاتحاد السوفياتي كان الصراع مادياً بامتياز حيث استطاع الجيش الاحمر، الممدود بالسلاح والعتاد من قبل آليات الاقتصاد الاشتراكي، ان يكسر شوكة الجيش النازي الذي كان حتى ذلك الوقت الجيش الذي لا يمكن ايقافه، ولكنه كان أيضاً صراعاً بين منظومتين ايديولوجيتين، الاولى أمنت بسيطرة الرأسمال الكبير والفاشية وتفوق الجنس الآري والبقاء للاقوى، والثانية بنت اقتصاداً اشتراكياً وآمنت بالمساواة بين شعوب العالم واعراقه وبتفوق الانسان في انسانيته المجردة من الراسمال، ولذلك عندما اتخذ الأمر «لا خطوة واحدة الى الوراء» وانتصر الشعب السوفياتي على آلة الحرب والتدمير الفاشي لم يكن ذلك الانتصار انتصاراً وطنياً فحسب بل كان انتصاراً للبشرية ومثلها العليا في الحرية والمساواة والعدالة.
ورد كاسوحة - الاخبار
في الوقت الذي يزداد فيه الحصار على حزب «سيريزا» الحاكم في اليونان بغرض إرغامه على التنازل عن الشروط التي وضعها للتفاوض مع ترويكا الدائنين الأوروبيين تحدث مفاجأة على جبهة أوروبية أخرى وتضطرّ القوى المهيمنة هناك إلى استعارة الخطاب نفسه الذي استعملته نظيرتها في اليونان إبان صعود «سيريزا» إلى السلطة. هذه المرّة يُستعمَل الخطاب في مواجهة حزب «بوديموس» الذي حقّق نتائج باهرة في الانتخابات البلدية الاسبانية وضَمِن لنفسه حصّة وازنة من مقاعد التمثيل المحلّي، وخصوصاً في المدن الكبرى (مدريد وبرشلونة). قبل هذا الفوز كانت هنالك محطّة مفصلية، في 31 كانون الثاني الماضي، استطاع من خلالها الحزب حشد الألوف من مناصريه اعتراضاً على سياسات التقشف التي اتبعتها حكومة ماريانو راخوي اليمينية.
المسيرة كانت حاشدة وتخلّلتها شعارات أظهرت تضامن الحزب والحركات الاحتجاجية التي تناصره مع «سيريزا» الذي كان قد فاز بالانتخابات اليونانية لتوّه، والى جانب هذا التضامن حضرت أيضاً شعارات مثل «نعم نستطيع « و»تك تاك، تك تاك» التي ترمز إلى الوقت الفاصل بين لحظة الاحتجاج والتغيير المقبل عبر الصناديق. حينها خرج رئيس الوزراء الاسباني ماريانو راخوي ليردّ على هذه التظاهرة بالقول إنّ «بوديموس» يجازف بمصير اسبانيا تماماً كما فعل «سيريزا» من قبله باليونان وانه يكتفي ببيع الأحلام، ولا يقدر على تحقيق الوعود التي أطلقها للشعب الاسباني. لا يعبر راخوي في هذا الموقف عن حزبه الحاكم فقط (حزب الشعب اليميني) بل عن مجمل الطبقة السياسية الاسبانية التي أصبح وجودها مرتبطاً بالخضوع للإملاءات الأوروبية الخاصّة ببرامج التقشّف وتقليص النفقات الاجتماعية.
الخلفية التاريخية لظهور «بوديموس»
هكذا، غدت السياسات النقدية الأوروبية هي المحدّد الرئيسي لعمل الحكومات الاسبانية المتوالية، وقد تفاقم الاعتماد عليها بعد الأزمة المالية عام 2008 لتصبح الجهةَ الوحيدة التي يحقّ لها وضع الفيتو على السياسات الاقتصادية للدولة.
مع الرأسمالية قبل ذلك كانت الأمور أفضل قليلاً، ولم تكن الاقتطاعات من مداخيل الطبقة الوسطى قد أصبحت كبيرةً إلى هذا الحدّ وهو ما يفسر تحدّر معظم المنتمين إلى حركة الاحتجاج التي عرفت لاحقاً بالغاضبين من هذه الطبقة. فالتغيرات التي طرأت على الدورة الاقتصادية بعد ذلك التاريخ أتت على حسابهم هم بالدرجة الأولى وهمّشت اعتمادهم المتزايد على الادخار وأموال التقاعد، الأمر الذي يعتبر مساساً بأهمّ الحقوق التي أمكن تحصيلها بعد زوال الديكتاتورية. إذ إنّ ما حصل غداة الانتهاء من الفاشية لم يكن ذا تأثير كبير على البنية الطبقية للمجتمع الاسباني، حيث ظلّت الأفضلية للطبقات الغنية «المعفاة من الضرائب»، ولم تستطع الطبقات الأخرى الاستفادة من الإصلاح السياسي المصاحب لعملية الانتقال الديمقراطي إلا بعد وصول الاشتراكيين إلى الحكم في عام 1982. فبوصولهم تحولت الديمقراطية السياسية التي أرست «التعددية الحزبية» إلى أداة لتوسيع القاعدة الاجتماعية للسلطة، وبدأت الثروة بالوصول إلى مختلف طبقات الشعب، ما وسّع من نفوذ الطبقة الوسطى وجعلها تتحول إلى قاعدة «مستقرّة» للحكم حتى يومنا هذا. حصلت في ما بعد تغيرات بنيوية في الاقتصاد الإسباني قادت البلاد إلى الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وعجّلت في القطيعة مع «سياسات النمو» التي اتبعتها الحكومات المتعاقبة وخصوصاً اليسارية منها. وعندما حصلت الأزمة المالية في عام 2008 كانت البلاد قد وصلت عملياً إلى حائط مسدود نتيجة للتراجع الذي أصاب عملية التراكم الرأسمالي، إذ لم يعد الإنتاج يصبّ في عملية توسيع المشاركة الاقتصادية، وأصبح همّه الأساس هو خدمة الفائض الذي يذهب بالكامل لجيوب المستفيدين من الانضمام إلى السوق الأوروبية، وهؤلاء كانوا دائماً تعبيراً عن قلّة، ما عوقّ حتى إمكانية الوجود الفعّال في السوق. على الأثر تراجعت نسب النمو كثيراً، وازدادت البطالة، وعادت الطبقة الوسطى التي تُعتبر الدعامة الأساسية لوجود الحكم إلى الانحسار. وبذلك تكون الفائدة التي جنتها اسبانيا من زوال الديكتاتورية والانتقال إلى التعددية السياسية قد انتفت، وبالتالي أصبحت العملية السياسية برمّتها موضع تساؤل، وهو بالضبط ما عبرت عنه أدبيات حركة الغاضبين التي اجتاحت الساحات والميادين في عام 2011 مستلهمةً كتابات المناضل والمفكّر الراحل ستيفان هيسيل.
تثمير الاحتجاج سياسياً
الغضب هنا ليس ممارسةً احتجاجية فحسب وإنما فعل منّظم يرمي إلى تأطير الاحتجاج وتحويله مع الوقت إلى آلية ضغط يمكن من خلالها إجبار الحكم والطبقة السياسية على التراجع عن سياسات الإذعان للاتحاد الأوروبي، أو في أفضل الأحوال إيجاد بديل يستطيع تصحيح العملية السياسية ومعاودة جعلها «ملكاً للشعب». في عام 2011 بدأ الفعل التراكمي عبر احتلال الساحات والميادين وأشهرها على الإطلاق كان ميدان «بويرتا ديل سول» في قلب العاصمة مدريد. استمرّت الاحتجاجات لمدة شهر كامل، وقوبلت من السلطة «بالتجاهل» و»عدم الاكتراث»، وأحياناً كانت السلطة تلجأ إلى القمع ولكن من دون التخلّي عن سياسة الاحتواء التي جرى التعويل عليها لتنفيس الطاقة الاحتجاجية وجعلها تذوي وتنتهي مع الوقت. أدرك الناشطون بعد انقضاء كلّ هذه المدة أن الرسالة من احتجاجهم قد وصلت ولا داعي بالتالي للاستمرار على الوتيرة نفسها من التصعيد لأنها ستضعهم في مواجهة الطبقات المتضرّرة من احتجاجهم وستضيّق رقعة المتعاطفين معهم بدل زيادتها، فعمدوا من تلقاء أنفسهم إلى إزالة المخيم وفكّ الاعتصام القائم في ميدان «بويرتا ديل سول»، على أمل أن يواصلوا الضغط ولكن بأشكال أخرى. هذه الأشكال تمثّلت في تسيير تظاهرات كلّ بضعة أشهر لإبقاء الضغط قائماً على الحكم وكانت القوى الاحتجاجية المسيّرة للتظاهرات تعمد بالتوازي مع رفع الشعارات المناهضة لسياسات التقشّف والداعية إلى توفير سكن لمن فقد منزله وفرص عمل للعاطلين إلى تأطير هذا الفعل لكي لا يبقى فقط مجرّد احتجاج ويذهب كما ذهبت معظم القوى الاحتجاجية التي قادت التظاهرات في مصر وتونس و...الخ. بقيت الأمور تتطوّر في هذا الاتجاه إلى أن أُعلن في شباط من عام 2013 تأسيس حزب «بوديموس» الذي سيقود ابتداءً من هذا التاريخ عملية نقل الاحتجاج من الشارع إلى الأطر الانتخابية التي تجرى عبرها المنافسة السياسية بين الأحزاب القائمة. وقد تجاوز «بوديموس» عبر هذا «الانخراط الشجاع» السياسات التقليدية لليسار الراديكالي والتي ترفض باستمرار أن تكون جزءاً من العملية السياسية التي تقودها البورجوازية الحاكمة، وبذلك يكون قد طوّر إلى جانب نظيره في اليونان «سيريزا» نظرية الصراع مع الرأسمالية، عبر جعلها أقلّ نخبوية وأكثر فاعلية وقرباً من الواقع وتناقضاته.
الصعود والنجاحات الانتخابية
هذه الفاعلية قادته إلى الانخراط في المؤسّسات القائمة ومحاولة تغيير سياساتها، وبعد أن كان عمله يتركّز على تصعيد النضال الجماهيري بشكل أساسي أصبح الآن يهتمّ بكيفية الاستفادة من هذا الزخم لجعل المؤسّسة التي يناضل من داخلها أقلّ انحيازاً إلى النخبة وشبكات الفساد السياسي. وأول محطّة على هذا الطريق هي الانتخابات الأوروبية التي أجريت قبل سنة من الآن، حيث استطاع فيها الحصول على خمسة مقاعد في البرلمان الأوروبي. ومنذ ذلك الوقت وهو يصعد في استطلاعات الرأي، ويتقدم في قياس المزاج الشعبي على الحزبين الرئيسيين في إسبانيا: حزب الشعب الحاكم والحزب الاشتراكي. ونجاحه هذا أقلق المؤسّسات الحاكمة في اسبانيا وأوروبا عموماً، إذ ليس من السهل عليها أن تتلقّى صفعة جديدة بعد الصفعة الأولى التي تلقّتها بوصول حزب «سيريزا» إلى الحكم في اليونان وشروعه في تغيير السياسات الاقتصادية التي وضعتها الترويكا الأوروبية لهذا البلد. ومن المتوقّع في حال وصول «بوديموس» إلى السلطة في الانتخابات التشريعية المقبلة أن يحذو حذو «سيريزا» ويبدأ في التراجع عن الخطوات التي أقدمت عليها الحكومات الاسبانية السابقة بدفع من بروكسل وبرلين. وحينها سيكون على الحزب الراديكالي الصاعد أن يكون مستعداً لمعركة من نوع جديد، إذ سيتحوّل الصدام مع المؤسّسات الأوروبية إلى واقع فعلي، ويبدأ بالتمدّد على كامل رقعة اسبانيا بعد اقتصاره لحدّ الآن على مدريد وبرشلونة حيث النفوذ الكبير لـ «بوديموس» وخصوصاً بعد الفوز في الانتخابات المحلية. المعركة هنا تكتسب أهميتها انطلاقاً من الواقع المحلّي الذي كرّسه الانتصار في الانتخابات البلدية وليس العكس، وهو ما يعطي لهذه الانتخابات طابعاً مفصلياً، على الأقلّ لجهة التمدّد الميداني وكسب الأرض في انتظار معركة الحسم في تشرين الثاني المقبل.
أهمية الفوز في المحلّيات
لم يعد «بوديموس» بعد هذا الفوز كما كان، فوجوده سياسياً في المشهد أصبح أقوى، وشبكة تحالفاته ازدادت متانةً مع حصول القيادية السابقة في حركة الغاضبين والناشطة اليسارية البارزة آدا كولاو على رئاسة بلدية برشلونة، وهي التي قادت طيلة السنوات الماضية الحراك ضدّ التيار المحافظ في المدينة بزعامة غزافيي ترياس. هذا التشبيك مع الرفاق السابقين والمنظمات الناشطة في الأقاليم والمدن ضدّ سياسات التقشف وطرد «المالكين» الجدد من ديارهم يضع الحزب الراديكالي على أرضية ثابتة ويسمح له بالتمدّد على حساب النخبة التقليدية المتمثلة في حزبي الشعب والاشتراكي. فالانتخابات الأخيرة «قضت» على النفوذ التقليدي لهذه الأحزاب في المدن الكبرى ووضعت قواعدها أمام خيارات ليس من بينها معاودة تكليفهم - أي الأحزاب - بتمثيلها سياسياً، وفي هذه الحالة ستكون القواعد أقلّ تمسكاً بالتصويت وفقاً للثنائية القديمة (شعب - اشتراكي) وأكثر استعداداً للتعامل مع «الائتلاف» الجديد الذي يقوده بوديموس، ويسعى من خلاله إلى تحسين ظروف معيشة الطبقتين الوسطى والشعبية. طروحاته الخاصّة بالمحافظة على وتيرة الإنفاق الاجتماعي والحدّ من سياسات الصرف التعسّفي والإبقاء على المدخرات والمعاشات التقاعدية تصبّ في هذا الاتجاه، وتحفّز شريحة واسعة من «المتردّدين» على وضعه ضمن الخيارات المتاحة في المرحلة المقبلة. هذا التغيّر الملحوظ في اتجاهات التصويت يدلّ على حجم الانزياح الحاصل في الخريطة السياسية. وهو انزياح لا ينهي تماماً وجود الأحزاب القديمة أو احتكارها للسلطة، ولكنه يجعلها أقلّ قدرةً على التأثير، محتفظاً لها «بوجود رمزي» إلى جانب القوى الجديدة الصاعدة. التعددية الفعلية (لا الصورية) هنا تصبح هي الانجاز الأكبر لبوديموس وباقي التيارت اليسارية الراديكالية في اسبانيا، وعبرها سيتمّ الانتقال من مرحلة انتخابية إلى أخرى وصولاً إلى تسلّم السلطة بالكامل، وعندها ستكون المعركة الفعلية مع بروكسيل وبرلين قد غدت على الأبواب. *كاتب سوري
قبل يومين كان القضاء المتهم الأول بالمشاركة في جرائم قتل رولا وكريستال وفاطمة ومنال ونسرين ورقية وسارة وغيرهنّ الكثيرات. فالتأخير في المحاكمات والسعي الى اختلاق الأسباب التخفيفية وابقاء القتلة احرارا او موقوفين بلا محاكمات عادلة... كل ذلك جعل صبر الناس ينفد، فنزلوا الى الشارع مطالبين بالإسراع في محاكمة قتلة النساء
إيفا الشوفي - الاخبار
في الأول من نيسان عام 2014 أقرّ المجلس النيابي تحت ضغط منظمات المجتمع المدني قانون «حماية أفراد الأسرة من العنف الاسري». صحيح أنّ القانون خضع لعملية تشويه في اللجان النيابية أفرغته من مضمونه، إلا أن إقراره مثّل كسراً لأسطورة «قدسية الحيز الخاص المؤسسة للعديد من الانتهاكات بحق المرأة داخل الأسرة، عبر نقل المعركة السياسية من اجل المساواة والعدالة الى قلب هذا الحيز، والتصدي لانتزاع هذا الحيز من سطوة المؤسسات الدينية الذكورية»، وفق بيان المنتدى الإشتراكي.
لم يحصل كسر القدسية هذا سوى بعد نضالات طويلة وتضحيات ثمينة، فقُتلت كريستال ومنال ورولا وفاطمة وصونيا وغيرهنّ الكثيرات. مثّل مقتل منال العاصي بعد تعذيبها على يد زوجها الجريمة التي حرّكت الاف الناس، فنزل في 8 اذار 2014 نحو خمسة الاف شخص للمطالبة بقانون يحمي النساء من العنف الأسري، وكان لهم هذا بعد شهر. بعد ذلك بدأت قرارات الحماية تصدر عن القضاة وتوجهت النساء الى المحاكم ليرفضن التعنيف، كذلك بدأت تظهر الثغر في القانون. منذ اقرار القانون حتى اليوم قُتلت ديالا وولاء وسلوى ونوّار الخالد وسلام ونسرين روحانا وفاطمة. السيناريو نفسه تكرّر بعد عام، فقُتلت سارة الأمين بـ 17 رصاصة في رأسها لينكشف لنا ما يحصل في القضاء من مماطلة وتقصير، وليعلن الناس أنّه «للصبر حدود»، فكانت تظاهرة أول من أمس، التي نظمتها منظمة «كفى» أمام المتحف للإسراع في محاكمة قتلة النساء. كثيرات من المشاركات (والمشاركين) في التظاهرة كانوا هنا منذ عام، أي في تظاهرة 8 آذار، في الفترة الفاصلة بين التظاهرتين ظنوا انّ الأمور سالكة. تقول حنان «لم نكن على علم بأنّ القضاء يماطل في بت هذه القضايا. لو لم تُقتل سارة لما عرفنا انّ هناك قتلة أحرارا».
رجال ونساء، صغار وكبار أعلنوا أنّ صبرهم نفد، فصرخوا عالياً «ثوروا ثوروا وعلّوا الصوت أحسن ما غيرن يموت»، «شو يا قاضي سرود عبرود ما نسينا فاطمة بكور». قرر هؤلاء رمي العقلية الذكورية التي يصنعها هذا المجتمع في الزبالة، فرموا أكياسا سوداء كُتبت عليها عبارات مثل «اتحمّلي، ما تخربي بيتك، المرا جازتها بتسترها، الف مرة ارملة ولا مرة مطلقة»، وغيرها من الأقوال التي يستخدمها المجتمع من أجل إخضاع المرأة، وإحكام السيطرة الذكورية على الأسرة. لكن ماذا بعد نفاد صبر المشاركين والمشاركات؟ ما الخطوات التي ستأخذ حق النساء اللواتي قُتلن؟ تقول محامية «كفى» ليلى عواضة «استراتيجيتنا اليوم هي المطالبة بمحكمة اسرية خاصة لبت ملفات العنف ضد النساء. هذه المحكمة كنت مطروحة في النسخة الاولى من القانون وجرى حذفها. لم نصر عليها آنذاك لأننا رأينا انها ليست اولوية، ولكننا كنا مخطئين، هذه المحكمة تمثل مطلبا اساسيا». في تلك الفترة كان رجال الدين اوائل المعترضين على هذه المحكمة، لأنها تعدّ مسّاً مباشراً بصلاحياتهم داخل الأسرة. تضيف عواضة «جميع التحقيقات والمحاكمات التي تحصل تتعاطى مع حادثة القتل، لا مع العنف المتكرر من ضرب وتعذيب طوال سنوات. هذه الامور يجب ان تؤخذ بعين الاعتبار، ويجب استخدامها في تشديد العقوبة، أي إن القضاء يجب ان يحاكم على العنف المرتكب، لا على فعل القتل فقط. بعض الأحكام التي صدرت كُتب فيها حرفياً : ثار غضبه فأقدم على قتلها!». أم رولا يعقوب حضرت بمأساتها. في التظاهرات السابقة كانت لا تنفك تردد «قتلي بنتي. جبلا التابوت وجبلا فستان ونحنا ما معنا خبر. كان بدو يدفنا بلا ما يقلنا». اليوم، قبل سؤالها عن أي شيء تصرخ بقلب محروق «منعوا عنه المحاكمة، دافعين مصاري شو انن بلا ضمير! انشالله يحترق قلبن متل ما حرقولي قلبي. باعوا ضميرن عحساب بنتي». يشير الاختلاف في كلام الأم المفجوعة الى التبدّل الذي حصل في القضية، لم تعد حادثة القتل ما يزعج الأم، بل أصبحت المحاكمة غير العادلة هي القضية، إفلات المتهم من العقاب هو ما زاد غضبها، لتصبح اليوم تريد الثأر، وتحديداً الإعدام. هي وثقت في البداية بالقضاء ولجأت اليه ظنّا منها انها ستتمكن من أخذ القليل من حق رولا المغدورة إلا أن الحكم الصادر بمنع المحاكمة عن كرم الباز جعلها تتخلى عن هذه الثقة. حضرت أخت نسرين روحانا الى جانب والدة رولا. تقول «الو 6 اشهر موقوف لا جلسات ولا محاكمة. لم يعد لدينا امل بالقضاء بسبب ما نراه من معاناة اللواتي سبقننا». والدة فاطمة بكور جلست على أدراج المتحف تصرخ «خالد الغوراني الو سنة و8 اشهر بالحبس من بعد ما ذبح بنتي هيي وحامل. صارو 3 جلسات، كل 3 اشهر جلسة 10 دقايق. بدي ينحكم باشد العقوبات حتى يصير عبرة للكل». انطلقت التظاهرة باتجاه وزارة العدل، ومرت من جانب والدة فاطمة فتاة تحمل لافتة كُتب عليها «اليد التي ستمتد الى النساء سنقطعها»، لترتفع الصرخات المطالبة بـ»الاعدام»، علما ان اكثرية الناشطات والناشطين في التظاهرة يقفون ضد عقوبة الاعدام ويطالبون بالغائها. «من أيار 2013 حتى ايار 2015 هناك 16 حالة قتل في المحاكم لم تُبتّ ولم يصدر حكم في أي منها، بالعكس بعض المتهمين أحرار!»، تقول رئيسة منظمة «كفى» زويا روحانا. إذاً هو عنف أصبح اليوم يستدرج عنفا مضادا، سببه كما تبيّن في التظاهرة تراخي القضاء في ملاحقة القتلة والمماطلة في المحاكمات، ما رسّخ لدى الأهالي فكرة الثأر كسبيل وحيد لأخذ حق بناتهنّ. هذا المؤشر الخطير يفرض على القضاء التحرّك فوراً لتحقيق العدالة، كي لا يكون مشاركاً في تعميم العنف وخلق عنف مقابِل. يعترض احد المشاركين على الهتافات: «لا يجوز ان نطالب بالاعدام، هذا ليس الحل. الانسان لا يردعه شيء عن الجريمة سوى الخوف من القانون لذلك فالحل هو التشدد في تطبيق القانون». صحيحٌ أنّ القوانين تتطور مع تطور المجتمع، إلّا أنّ القوانين يمكن أن تمثل ايضاً وسيلة لتطوير المجتمع فتكون المبادِرة الى هذا التطور، وهذا هو المطلوب اليوم من القضاء، أي أن يقود تطور المجتمع عبر رفض العنف ليس بصفته امرا غير اخلاقي، بل بصفته عنفا يؤثر على المجتمع ككل. تقول عواضة «ليس من السليم على الإطلاق المطالبة بعنف مقابل. لا يمكن كمنظمة ان نطالب بالاعدام لانه مخالف لحقوق الانسان، لكن في هذا الوقت لا يمكن ان نزايد على اهل الضحايا الذين لم يشف غليلهم أي حكم صدر حتى اليوم». لم يكن الرهان على قانون العنف الاسري يوماً لوقف الجرائم، إنما الرهان الاساسي منه هو تكريس الحق باللجوء الى القضاء، فالقانون لن يوقف الجرائم (مثلما لم يوقف القانون عمليات السرقة او القتل) لكنه سيكون رادعاً للمجتمع عبر التأكيد على محاسبة المجرم، وإنزال اشد العقوبات بحقه. لهذا فإن القضاء يؤدي الدور الرئيسي بردع المجرم، وما لم تحصل محاكمة عادلة وتشدد في المحاسبة، فسنتعرف في الأيام المقبلة على مجرمين جدد، وعلى ضحايا جدد، سيكون المساهم الأول في مأساتهم هو القضاء.
مع عازفة الساكسوفون المصرية المكسيكية ليتي النجّار، يقدم الفنان اللبناني أمسيتين في «المركز الثقافي الروسي» مختلفتين جذرياً عن حفلاته المرتقبة في المهرجانات المقبلة
بشير صفير - الاخبار
من يحصر اهتمامه الموسيقي بالأغنية، ويفضّلها ملتزِمة، فلن تهمّه هذه المقالة. ومَن يعتقد أن العمل الموسيقي لا يكون ملتزماً إلا إذا عبّرَت عن ذلك عبارات واضحة، فقد يصاب بخيبة طفيفة ممّا سيقرأ. أما من لا يرى في الموسيقى إلاّ مصدراً للتسلية (والتسلية غير الترفيه!) فنتمنّى عليه، بمحبّة، الاكتفاء بما قرأ حتى الآن. هذه السطور لا تستهدف إطلاقاً من يرى في زياد الرحباني صاحب ”عايشة وحدا بلاك“ و/أو مصدراً ”لآخر نكتة“، كما أنها قد تزعج مَن يعتقد أن حفلةً في ”المركز الثقافي الروسي“ لا بدّ من أن تكون احتفالاً بذكرى ثورة أكتوبر.
مناسبة المقالة أنّ المؤلف الموسيقي زياد الرحباني يقدّم حفلتَين في ”المركز الثقافي الروسي“ (3 و4 حزيران/ يونيو المقبل)، حيث روسيا هي امتداد للاتحاد السوفياتي وسياسة ”آلة البيانو في كل بيت“… وحيث أبو شعبها معجَبٌ حتى الذهول بإحدى سوناتات بيتهوفن، لا بنشيد الأممية، على أهميّته ونُبْل رسالته… حيث ”ديكتاتورها“ الفولاذي قد ينفي إلى سيبيريا من يَثبُت تورّطُه في عرقلة رغبته الستالينية في الحصول على تسجيلٍ أعجبه لأحد أعمال موزار الرقيق. هذه المقالة تتناول حفلتَين موسيقيّتَين، وهاتَان الأخيرتان تتوجّهان إلى كل من يتفق مع الزعيمَين الشيوعيَّين المذكورَين أعلاه على كل شيء، بما في ذلك مقاربتهما للموسيقى، وكذلك إلى مَن لا يتفّق معهما إلا على ذلك.
نبدأ من عنوان الحدث Kiki Rosa. إنها إحالة إلى الجزء اللاتيني الاحتفالي من برنامج الأمسية. لكنّها أولاً إشارة إلى ضيفة الحدث، عازفة الساكسوفون المصرية/ المكسيكية ليتي النجّار… إنها إشارة إلى نصفها اللاتيني طبعاً. أما الأهم، فهو العنوان الفرعي لأمسيتَين: The un-mobile/un-dinner night. لنشرح قليلاً هذا العبارات. الكل يعرف أن لزياد نشاطاً موسيقياً ثابر عليه منذ السبعينيات، وهو العزف في حانات. هذا ما تفعله كل فرق الجاز وتوابعه في العالم. الجمهور الذي يحضر هذه الأمسيات بعضه تهمّه الموسيقى، والبعض الآخر تهمّه السهرة بما تتضمّنه من أكل وشرب وأحاديث… وموسيقى. هكذا هي الحال في العالم لا في لبنان فحسب، لكن ”عندنا“ تضاف فئة ثالثة إلى تلك الجيدة وتلك المقبولة… فئة مَن قد يطرق كأساً بكأس خارج الإيقاع وفي لحظة حسّاسة قبل أن يغرق في صحنه الشهيّ، أو مَن قد يطلق العنان لضحكة لا تتوافق من أي نغمةٍ معروفة في العلوم الموسيقية حتى الآن. في الواقع، هذه كلّها غرائز أو شبه ذلك، ولا يجوز كبحها. لكن ثمّة مخرَج ممتاز من هذه الأزمة، اعتمدته كل فرق الجاز، وهو نقْل النشاط، من حين لآخر، إلى المسارح. أما في ما يتعلّق بالموبايل، فلا كلام يعبّر عن حسناته التي ”افتَعَلَت بحسناتنا“. من جهة ثانية، نشير إلى أن حفلتَي ”المركز الثقافي الروسي“ مختلفتان جذرياً عن حفلات زياد المرتقبة في المهرجانات المقبلة. الاستنتاج الأول هو أنْ لا تضارب بين النشاطين، والثاني هو أن زياد الرحباني هو من القلّة القادرة على تقديم نموذجين فنّيين مختلفين (هذا ولن ندخل في تفاصيل الأنماط العديدة في كل نموذج!)، والأهم أنه يقوم بالمهمّتين بمهنية المتفرّغ لأحد النموذجين، أو حتى لواحدٍ من الأنماط التي يشملانها: موسيقى كلاسيكية، جاز، فانك، سول، لاتيني، شرقي، بوب،… وعلى رأس اللائحة، النمط الأهم من كل هذه التسميات، والأبرز في ريبرتوار زياد: الموسيقى (هي الأصيل وما الأنماط سوى وكيل معتمَد لها، عند هذه الشعوب أو تلك). ثانياً، يتألف البرنامج من كلاسيكيات ريبرتوار الجاز والبوسا- نوفا والموسيقى اللاتينية وغيرها… بالإضافة إلى أعمال خاصّة لطالما تمنّينا إدراجها في الحفلات مثل أغنية «شو بحبّك» (وهي مقطوعة كلاسيكية للبيانو المنفرد، لكنّها مُرفَقَة بـ”شبه أغنية“ مع مرافقة للفرقة) و”رمادي عا رصاصي“ (التحفة العصية على التصنيف التي لا تسجيل لها إلا في فيديو ”موسيقى على قيد الحياة من بيروت“) ومقطوعة موسيقية نادرة رافقت نصوصاً ساخرة ولم تعزف في حفلة من قبل، وكذلك أغنية ”اسهار“ بنسخةٍ موسيقية وغيرها. من الكلاسيكيات، يدخل زياد الرحباني إلى ريبرتوار فرقته أعمالاً مثل Flight to Jordan والرثائية الموجِعَة I Remember Clifford وغيرهما. أما الفرقة الموسيقية، فتضم إليه (بيانو)، ليتي النجّار (ساكسوفون وكلارينت)، مارتين لوياتو (ترومبت)، منير الخولي (غيتار)، خالد عمران (باص)، ريكاردو أبي هيلا (درامز) وأيمن زبداوي (إيقاعات). من بين التسجيلات التي أصدرها الرحباني منذ السبعينيات، لا توجد إلاّ ”وثيقة“ واحدة لهذا الجانب من نشاطه الموسيقي، وهي شريط ”بهالشكل“ الذي حوى تسجيلاً لحفلة في جامعة الـBUC. مضت نحو ثلاثة عقود على تلك الحفلة، والـBUC باتت LAU، وإلى مسرحها يعود زياد لتقديم أمسية في العاشر من حزيران (يونيو)، وستكون، تقريباً… ”بهالشكل“ (يرجى إعادة قراءة المقالة).
* حفلة زياد الرحباني: 20:30 مساء 3 و 4 حزيران (يونيو) ـ «المركز الثقافي الروسي». 01/790212.
غسان ديبة - الاخبار
الى حسن اسماعيل في 25 أيار 2000، عندما خرج آخر جندي إسرائيلي من أرض الجنوب وأقفلت بوابة فاطمة للمرة الأخيرة، تم ما لم يجرؤ على أن يحلم الكثيرون به. حُرّر لبنان في ذلك اليوم الذي اصبح يوم المقاومة والتحرير. يوم ليس فقط لتخليد ذكرى التحرير، بل يوم أيضاً للمقاومة كي يتذكر اللبنانيون حالياً وتتذكر الاجيال المقبلة أن التحرير لم يأتِ تلقائياً أو نتيجة اتفاقات أو صفقات إقليمية أو دولية، كما تعودت أكثرية اللبنانيين أن تقرأ أحداث وتاريخ وطنها.
فقد بذل المقاومون، الذين هبوا للدفاع عن وطنهم بصمت في أكثر الأحيان، حياتهم، كما فعل الآلاف من الشهداء، ومن حياتهم، كما فعل الآلاف من الأسرى والمعتقلين والجرحى، ومن نذر يسير من زمن حياتهم، كما فعل المقاومون الآخرون. إن أي ذكرى، ولو بذلت التضحيات الكبرى من أجلها ولو كانت عظيمة كذكرى طرد الأجنبي، قد تتحول إلى مجرد ذكرى عابرة قد لا يهتم بها الكثيرون إن كانت ذات بعد واحد أو أمراً حتمياً مفروغاً منه، مثل أن يعتبر الناس أن التحرير يأتي دائماً بعد الاحتلال وأن القتال ضد الجيش المحتل حصل لهزمه فقط. كتب البر كامو في رسالته الرابعة الى صديق ألماني إبان الاحتلال النازي متوجهاً الى الجنود النازيين عشية معركة تحرير باريس: «إنكم قبلتم باليأس وأنا لم أستسلم له....أنتم رأيتم عدم عدالة الحالة الانسانية وأردتم الاضافة اليها... أنا اخترت العدالة لأبقى أمينا للعالم... وعلينا أن نبرهن أننا لا نستحق الظلم. هذه هي المهمة التي أوكلنا أنفسنا بها وستبدأ في الغد». وفي ليلة التحرير في 24 آب 1944، كتب في مجلة المعركة التي أصدرتها المقاومة الفرنسية: «لا يأمل أحد ان الرجال الذين حاربوا بصمت لأربعة اعوام ويحاربون اليوم... يمكن أن يقبلوا بعودة قوى الاستسلام والظلم تحت اي ظرف كان. لا يتوقع أحد ان هؤلاء الرجال- وهم أفضل الأمة- سيقبلون ما فعله الافضل والأنقى لمدة خمسة وعشرين عاماً بأن يحبوا وطنهم بصمت وبصمت أيضا يكرهون زعماءهم. إن باريس التي تحارب الليلة تنوي القيادة غداً، ليس من أجل السلطة بل من أجل العدالة، ليس من أجل السياسة بل من أجل الأخلاق؛ ليس لإخضاع فرنسا بل لعظمتها. إن مدينة الأضواء تعجّ بلهيب الامل والمعاناة... وفيها بريق ليس فقط التحرير وإنما حرية الغد». في رسائل وكتابات كامو الأبعاد الأوسع للقتال ضد الاحتلال، وفي أوروبا بعد نهاية النازية، وإن اختلف الكثيرون حول ما تحقق من حرية وعدالة كما أمل كامو، لكن الإنسان الأوروبي الذي حقق ذاته وأكد إنسانيته بالتمرد على البربرية النازية، استطاع ان يخط لنفسه طرقاً للعدالة السياسية والاقتصادية والاجتماعية أتت في أشكال مختلفة، وفي بعضها كنتيجة مباشرة للتجلي السياسي لفعل المقاومة كما حدث في فرنسا وايطاليا ويوغوسلافيا. في لبنان اليوم نسينا ان المقاومة ضد الاحتلال الصهيوني كانت أيضاً من اجل العدالة والحرية وليس فقط التحرير. أردنا ان نقول للجندي الصهيوني ان عنصريتك وفاشيتك لا مكان لهما في لبنان، وأن الفقراء والجنوبيين وافضل شباب الوطن الذين هبوا ضدك لن يقبلوا ان يعود لبنان الى ما كان عليه لأن عنصريتك وطائفيته شكلان مختلفان لافكار الفصل والتفرقة، ولان فاشيتك الشكل الاكثر تطوراً للعنف الاجتماعي والسياسي لطائفيته. اعتقد الكثيرون بارتباط التحرير والتغيير، وبأن الارض لمن يحررها فخاب املهم، وبالتالي خاب امل لبنان بحرية الغد. حصل هذا الإجهاض قبل 25 ايار، فبعد ان تحرر الجزء الاكبر من لبنان في 1985 وانكفأت اسرائيل الى الشريط الحدودي كان هناك امل بالتغيير، لكن اتفاق الطائف في 1989 أتى ليعلن عصر المحاصصة بين الطوائف، بدلاً من ان يعلن عصر انعتاق الفرد والطبقة من سلاسل طوائفهم، ومن ثم أتى منطق الرأسمال بعد 1992 ليعلن تحويل الاقتصاد اللبناني الى اقتصاد ريعي بأشكاله المختلفة، فزادت الفوارق في الدخل والثروة في الاقتصاد الداخلي وهرب الشباب والمتعلمون واصحاب المهارات الى الاقتصاد الخارجي في هجرة كبرى جديدة في تاريخ لبنان، وزادت مديونية الجميع من الدولة الى الافراد، وبالتالي اخضع اللبناني لسلطتي المال والحاجة الى الخارج، ففقد ما ظنه أنه سيمتلكه من سيطرة وخيارات وعدالة وحرية في حياته الاقتصادية. في ذكرى المقاومة والتحرير، علينا ان نتذكر التحرير بإجلال، ولكننا ننساه بسرعة لأن التحرير قد حصل ولا شيء سيتغير. إن المقاومة اليوم هي للدفاع عن الجنوب وليست لتحرير المناطق المتبقية، فأكثر من 17% من حدود العالم متنازع عليها، ولا هي للدفاع عن مناطق أخرى من الداخل أو في الخارج. ان النضال من اجل الحرية والعدالة هو فعل المقاومة اليوم لأن المقاومين حملوا السلاح يوماً من اجل هذه القيم التي تحطمت في وطن غارق في طائفيته وريعيته، وهو يستجدي الخارج واثرياء الداخل لتسليح جيشه ولتمويل تعليم اولاده ولإطفاء حرائق أحراجه ولبناء جسوره واصلاح بناه التحتية بعد الحروب حتى وصل به الدرك الى استجداء تمويل بث مباريات كأس العالم، وكل هذا وثروة اللبنانيين تعد بمئات مليارات الدولارات. ان بيروت وصيدا وصور والنبطية وبنت جبيل ومارون الراس قاتلت ليس من اجل وطن حيث الفقراء والعمال والموظفون والمعلمون والفلاحون والمزارعون والشباب في غربة عميقة، بل من اجل وطن الحرية والعدالة. وكما قال كامو: «ليس من اجل السياسة بل من اجل الاخلاق».
من أجل سارة وكثيرات غيرها، تجمّع أمس عدد كبير من النساء أمام قصر العدل، ليعبّرن عن رفضهنّ لما تعانيه النساء من عنف جسدي ومعنوي. فضحايا العنف الذكوري أصبحن كثيرات، والوقت أثبت أنّ القانون المشوّه الذي أقرّه المجلس النيابي لم يمثّل رادعاً كافياً لمنع المجرمين عن ارتكاب جرائمهم. من هنا أصبح من الواجب التحرّك لوقف الجرائم الممنهجة لأن «الساكت عن الجريمة، شريك فيها»
إيفا الشوفي - الاخبار
منذ نحو أسبوع قُتلت سارة الأمين بـ 17 رصاصة في رأسها. لم يحاول زوجها المجرم الهرب انما انتظر القوى الأمنية بأعصاب باردة وأشعل سيجارة ريثما تصل. يثق المجرم علي الزين بالدولة وتحديداً بالسلطتين التشريعية والقضائية، ولهذه الثقة اسبابٌ استنتجها القاتل من الجرائم التي حصلت سابقاً. فزوج الضحية رولا يعقوب، كرم البازي، حرٌ طليق، حتى إنّ قاضي التحقيق في الشمال منع المحاكمة عنه لعدم كفاية الأدلة. ماتت رولا في السابع من تموز عام 2013، وكانت تبلغ من العمر 32 عاماً، ولم يأخذ القاضي بافادات الشهود عن تعرّضها للعنف الجسدي على يد زوجها.
القاتل جان ميشال ديب، زوج الضحية نسرين روحانا، خطفها من امام مجمع تجاري في بيروت وعلى مرأى من الناس وأطلق النار عليها في نهر ابراهيم ورماها في الوادي. أوقفت السلطات المجرم وهو يقبع في السجن منذ نحو 6 أشهر إلا أنه حتى اليوم لم تبدأ المحاكمة. القاتل خالد غوراني، زوج الضحية فاطمة بكور، ذبحها على فراشها وهي حامل في شهرها السابع. «صارو 3 جلسات بمحكمة الجنايات، والقاضي كل 3 اشهر وأكتر بيجي بيحكي كلمتين وبيقلنا فلوا. هوي نايم بالحبس الو سنة و8 اشهر ونحنا عم نتعذب. اذا قاضي من هالقضاة اندبحت بنتو متل فاطمة شو بيعمل؟ «، تصرخ والدة فاطمة. وحدهم الضحايا وأهاليهم لا يثقون بالدولة. ثقتهم بالسلطة التشريعية اندثرت عندما أقر مجلس النواب في 1 نيسان 2014 قانونا مشوّهاً ومفرغاً من مضمونه شرّع فيه الاغتصاب الزوجي تحت ما يسمى «الحقوق الزوجية الجنسية» للرجل، لأول مرّة في قانون مدني، وجرى تعميم هذه الحقوق بوصفها حقاً يمكن الرجل أن يستوفيه من زوجته متى شاء. حاولوا أن يثقوا بها مرة أخرى عندما توجهوا الى القضاء لكنّ المماطلة والقرارات الصادرة عن بعض القضاة قتلت الضحايا مرة أخرى وأفسحت المجال أمام معنّفين آخرين ليتمادوا في جرائمهم، فكانت سارة الضحية الأحدث لكنها بالتأكيد لن تكون الأخيرة.
بالأمس، تجمّع عدد من النساء بدعوة من التجمع النسائي الديمقراطي اللبناني ومجموعة من الناشطين والمنظمات النسائية والمدنية ليطالبوا بأمر بسيط جداً: العدالة لأرواحهنّ. أمهات الضحايا حضرن بحزنهنّ، لم تعد الجرائم شخصية بالنسبة لهن إنما أصبحت قضيتهنّ. وقف أولاد سارة الأمين الى جانب أمهات نسرين روحانا، فاطمة بكور، منال عاصي ورقية منذر أمام قصر العدل. حاولت احدى القاضيات أن تمر بسيارتها لكن الطريق كانت مقفلة بأجساد اهالي الضحايا، فصرخت بوقاحة «ما بيصير هيك بدنا نمرق». لم يبدُ على وجه القاضية أي تأثّر بالمشهد الذي تراه أمامها، حتى انها بالكاد لاحظت صور النساء اللواتي متن على ايدي أزواجهن. شقيق سارة، محمد الأمين، أعلن أنّ هذه القضية «هي قضية كل قاضٍ وكل محامٍ لديه ابنة وأخت، لكن قبل ان نتحدث عن القضاء والمحاكمات العادلة علينا أن نؤكد أنه من دون تشريع عادل يُنصف المجتمع لا شيء يمكنه أن يوقف هذه الجرائم». رأى بيان التجمع النسائي الديمقراطي انّ هذه الأفعال «مؤسسة على منظومة أبوية وذكورية سائدة في مجتمعنا تطبع كل مؤسسات المجتمع وتأتي من سطوة مجتمع ذكوري يريد اخضاع النساء والسيطرة عليهن». أمّا المحامية بريجيت شلبيان، فقد أكّدت في كلمة نقابة المحامين في بيروت أنّه تبيّن أنّ «قانون حماية النساء وسائر أفراد الأسرة من العنف الأسري لا يمثل رادعاً كافياً لمنع المجرم عن ارتكاب جريمته، كما أنه لا يمثل وسيلة كافية للوقاية من جرائم العنف الاسري»، مضيفة أن «تأمين الحماية للنساء لا يقتصر فقط على اصدار قرار حماية من القضاء، بل يوجب على الدولة وضع الآليات اللازمة لتأمين حماية فعلية وفعالة قبل وبعد اصدار قرار الحماية». أما إنصاف الضحايا، فيكون «عبر اجراء محاكمة سريعة لمرتكبي هذه الجرائم مع التأكيد على ضرورة عدم التفتيش عن ذرائع لتبرير هذا الفعل الجرمي وتخفيض العقوبة بحق المجرم».
رغم الأعاصير وأشكال الاستقطاب المذهبي وصحوة الغرائز التي نشهدها اليوم، لا يزال الأمل يحدو الفنان الملتزم. يراه في الجيل الجديد، ويواصل درب التأليف والكتابة، ضارباً موعداً مع جمهوره غداً على خشبة «المركز الثقافي الروسي»
محمد همدر - الاخبار
«شو بدنا نعمل، بدنا نكمل»، لسان حال سامي حوّاط (1956) حين يخبرك عن جديده أو قديمه، أو عن تلك الطاقة وذلك الإصرار الذي يجعله يتابع مسيرته الغنائية والموسيقية بالروحية نفسها. جيل الأغنية الملتزمة الذي صعد نجمه وارتفع صوته خلال الحرب الأهلية، تنحّى في زمن السلم، لكن الإحباط الذي عرفه اليسار وفنانوه في التسعينيات من القرن الماضي، لا يقارن بما يشهده العالم اليوم. لا تكفي كلمة «إحباط» لوصف ما يجري في العالم العربي اليوم، لكن بالنسبة إلى سامي «بعد في أمل...».
يصعد سامي وفرقته على خشبة مسرح «المركز الثقافي الروسي» غداً ليقدّم أغنيات جديدة، أغلبها من كلماته وألحانه وبعضها للشاعر جورج يمين ضمن أمسية تحمل عنوان «غير مطرح». في حديثنا معه، يعتبر حواط أن الناس والعالم تغيروا، والأشياء أصبحت في مكان آخر، لكن نحن لا نزال في مكاننا. نسأله إن كان قصده الجمود، أو الخمول، يجيب: «لا على العكس... نحن لا نزال في مكاننا بالمعنى الإيجابي، ثابتون على مبادئنا، لم نتغيّر، الباقي ذهب إلى غير مطرح». يستذكر الثمانينيات، حين كان هناك نقاش فكري، قبل أن يضيف: «لطالما حذّرنا من لعبة الطوائف والمذاهب، هذه المشكلة لا تزال مستمرة الى اليوم وتفاقمت. كانت هذه اللعبة وسيلة بيد رأس المال ولا تزال». يرسم حواط صورة سوداء وحزينة لما يجري اليوم، لكنه لا يفقد الأمل، يصرّ على أنها مجرد غيمة أو غيوم ستمرّ حتماً، كما يصرّ على أنّه يحمل في قلبه أملاً بالجيل الجديد رغم كل الاستقطاب المذهبي والطائفي المسعور الذي نشهده اليوم. يقول: «أنا انطلقت من الأصل، من الخميرة التي كونتنا في بدايات الصراع، مع الحركة الوطنية ولا أزال أنطلق من هناك». ينطلق حواط من أساس الصراع ومن المبادئ والمواقف القديمة في رؤيته وتقديره للأشياء وفي أعماله. يضيف «الأهم أن يبقى الإنسان صادقاً مع نفسه ومع تاريخه».
أعمال جديدة من كلماته وألحانه وبعضها للشاعر جورج يمين أمسية «غير مطرح» ستحمل جديد سامي الذي يفكر في إصداره مستقبلاً ضمن أسطوانة جديدة. لا تنفصل كلماته عما نعيشه من أوضاع، فهو يغني همّ الناس، بقديمه وجديده. يعلّق: «ما غنيته، يصلح لكل لحظة». ويضيف مستطرداً: «أنا مقاوم أساساً. هذه هويتي. من المهم جداً أن يتمسك الإنسان بهويته». لذا، هو كموسيقي شاهد دائم على الظروف والأحوال وهموم الناس ويومياتهم. ويرى أنّ كلماته الجديدة لا بدّ من أن تعبّر عما نعيشه ونشاهده في كل يوم. مثلاً أغنية «مالت الأيام ميلاً سريعاً» تعبّر عما وصلنا إليه اليوم بغمضة عين، عن هذا الانحدار والمصير المجهول الذي نواجهه، «لكن رغم هذا، بدنا نكمل». سيقدم سامي حواط أيضاً بعض المقطوعات الموسيقية من دون غناء، وستصعد والدته لمرافقته غناءً كما كانت تفعل في الثمانينيات. يريد سامي أن يعطيها أدنى حقوقها، فهي صوت جميل ليس له مكان في هذه الأيام. يقول: «صودف أنها والدتي. لذا أحاول إعطاءها أدنى حقوقها»، منوّهاً بدورها وبمساعدتها له كثيراً في مشاريعه الموسيقية. يمضي سامي حواط هذه الأيام في بيروت، يفكّر في أنشطة قد يستضيفها في أواخر الصيف على خشبة المسرح الصغير الذي شيّده في قريته زبدين (قضاء جبيل). لا يرى في ما يحصل سبباً للتوقف عن الإنتاج الموسيقي والتأليف والكتابة والغناء. لا يخلع «البيريه» (قبعته) ولا يستغني عن عوده. هو لا يزال واحداً من الرأي العام، صوت الذين لا صوت لهم! * «غير مطرح» لسامي حواط: 20:30 مساء الغد ــــ المركز الثقافي الروسي